في الجو رائحة طبخة نووي إيراني، الإيحاءات والإشارات المتزاحمة على خطوط كانت مسدودة لأسابيع خلت؛ تبوح بقرب حصول نقلة نوعية، بل انقلابية، في هذا الخصوص. فهي غير مألوفة وتتوالى بوتيرة ملحوظة وبجرعات ملفتة.
الأهم أنها تندرج في خانة التراجع عن مواقف متشددة ولغة ساخنة؛ ارتفعت حرارتها بصورة مقلقة خلال الأشهر الأخيرة، فجأة هبط بارومتر التحدي والتوتر، وسادت لغة الدبلوماسية التي طغى عليها طابع الإشادة المتبادلة غير المعهودة والتي بدت مفرداتها وكأنها أداة في عملية إعادة بناء الثقة، ولو بالقدر المطلوب لتجاوز أزمة النووي، كل ذلك يسمح بالقول إن الطبخة على نار هادئة.
بمقاييس السوابق الشك ـ وفي أحسن الأحوال ـ التحفظ ـ يفرض نفسه، فالفجوة كبيرة والارتياب المشترك عميق؛ ناهيك بالتراكمات السلبية والحسابات الاستراتيجية المتضاربة، لكن بمقاييس اللحظة ومعطياتها وخطابها الجديد المتداول؛ لم يعد السؤال: هل تنضج هذه الطبخة؟ بل صار متى تنضج؟
أول ما يلفت في هذا الجديد ويدعو إلى التوقف عنده هو التناغم في العزف الصادر عن كل العواصم المعنية بالنووي الإيراني، النوتة نفسها والتوزيع يتقاطع عند اللازمة ذاتها، المنسّق الأوروبي للشؤون الخارجية يصف محادثاته مع المسؤولين الإيرانيين، خلال زيارته الأخيرة لطهران، بأنها كانت مفيدة وسادها «مناخ بنّاء».
وجاء كلامه في أعقاب تسليم «عرض الحوافز» الأوروبي ـ الأميركي ـ الصيني الروسي؛ إلى الإيرانيين، أكثر من مسؤول في طهران أعطى إشارة إيجابية بإدراجها في خانة التمهيد للتجاوب مع التسوية المطروحة، آخرها ما صدر عن الرئيس أحمدي نجاد خلال زيارته للصين، عندما وصف العرض بأنه «خطوة إلى الأمام» متعهداً بالرد عليه في «أسرع وقت ممكن» .
وخلال الزيارة شدد الرئيس الصيني أمام زائره، على أهمية هذه الفرصة، متمنياً على إيران «دراسة الاقتراح بجدية والرد بإيجابية» لتعود «بسرعة إلى المفاوضات».
واشنطن رأت في كلام الرئيس الإيراني علامة إيجابية «مشجعة» ، الكونغرس هو الآخر يدعو ويؤكد على أهمية اللجوء إلى الحل الدبلوماسي للنووي الإيراني، أيضاً القمة الأوروبية تجدد الدعم للحل «الحواري» وموسكو ضمت هي الأخرى، مجدداً، صوتها إلى الجوقة الدافعة باتجاه تثمير هذه الفرصة، وحدها إسرائيل سارعت إلى التحريض كالعادة، لفركشة الصفقة.
وهذا بحد ذاته يعزز الاعتقاد بأن الأمور تسير باتجاه الانفراج. أي خلافاً لما تريده تل أبيب.
لا يعقل أن تكون كل هذه الإشارات المتجانسة صدفة ليس فقط لأنها محكومة بخط مشترك واحد، بل لأنها صادرة، أيضاً، عن مواقع مختلفة ومتضاربة، ثم انها تنتظم جميعها في إطار التقدم المتوازي وتسهيل التلاقي في منتصف الطريق.
ربما لأن المعنيين أدركوا أن لعبة العض على الأصابع انتهى شوطها، أو أن الفرصة الراهنة تحوي على أقصى ما يمكن أن تبلغه أية عملية مقايضة، تحفظ ماء وجه الطرفين؛ وبالتالي فإنهما أمام الفرصة الأخيرة، التي ليس من مصلحة أحد نسفها وتحمّل مسؤولية تفويتها.
كيفما كانت الدواعي؛ هناك حقيقة ماثلة الآن وهي أن الملف النووي الإيراني قد تم وضعه على السكة الصحيحة الكفيلة بأن تؤدي به إلى نهاية سليمة، وإذا كان الأمر كذلك فلا عذر لأحد لو أن قطار هذه القضية خرج عن مساره.