النفي الأميركي للشكوك التي ثارت حول الطريقة التي تم بها قتل الزرقاوي، أضفى المزيد من الأهمية حول هذه الشكوك التي نشرتها صحيفتا «الاوبزرفر» و«التايمز» البريطانيتان.

والتي ذكرت أن الزرقاوي عثر عليه حياً بعد الغارة الجوية على المنزل الذي كان مختبئاً به، وأن القوات الأميركية انهالت عليه ضرباً حتى لقي حتفه!!الجنرال كايسي قائد قوات التحالف وصف هذه الرواية بأنها «سخيفة» و«مجرد هراء»، ولكن الأميركيين لم ينكروا أن الزرقاوي كان حياً بعد الغارة الجوية.

وان الجنود الأميركيين وصلوا إلى المكان بعد دقائق، ثم «لاحظ جنودنا أن الشرطة العراقية وضعت الزرقاوي في سيارة إسعاف فأخرجوه منها»®.هكذا يقول القائد الأميركي وهو إلى هنا يتفق في روايته مع الرواية التي نشرتها الصحف البريطانية.

ولكنه يختلف بعد ذلك حيث يقول إن جنوده أخرجوا الزرقاوي من سيارة الإسعاف لإعطائه الإسعافات الأولية!! وليس للإجهاز عليه كما روى شهود العيان ونشرت الصحف البريطانية الكبرى!!

وهذه الشكوك التي أحاطت بمقتل الزرقاوي تضاف إلى الكثير مما أحاط بعلاقة أميركا بالزرقاوي في السنوات الأخيرة، ليكون السؤال المطروح هو: لماذا كانت أميركا حريصة على وضع نهاية الزرقاوي هذه المرة؟ وهل كانت تخشى من شيء إذا وقع في الأسر وأتيحت له الفرصة ليتكلم؟.. ثم لماذا تركته أميركا كل هذه السنوات، وقد كانت تستطيع القضاء عليه أكثر من مرة؟

لقد غادر الزرقاوي أفغانستان إلى إيران في نهاية عام 2001، ثم انتقل بعد ذلك إلى كردستان ليبدأ العمل مع منظمة «أنصار الإسلام» وكانت المنطقة تحت الحماية الجوية الأميركية والبريطانية لمنع أي تواجد لقوات الحكومة العراقية المركزية ! وفي ظل هذه الحماية الأميركية انتقل الزرقاوي من العمل مع «أنصار الإسلام» إلى تكوين جماعته الجديدة «التوحيد والجهاد».

ووفقا لتقارير كشفتها صحيفة «وول ستريت جورنال» عام 2004 أن وزارة الدفاع الأميركية قدمت للبيت الأبيض ثلاث مرات على الأقل خططاً لتدمير المعسكر الذي يقيم فيه الزرقاوي في كردستان العراق، ولكن البيت الأبيض كان يرفض تلك الخطط أو يتجاهلها ! فقد كان وجود الزرقاوي في شمال العراق جزءاً من مخطط غزو العراق.

وهو ما كشف عنه وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول حين وقف أمام مجلس الأمن قبل أسابيع من غزو العراق ليؤكد وجود أسلحة الدمار الشامل لدى العراق ثم ليتحدث عن أبو مصعب الزرقاوي باعتباره حلقة الاتصال بين نظام الحكم العراقي و تنظيم القاعدة!

وكما كانت رواية أسلحة الدمار الشامل زائفة، كانت محاولة إقامة علاقة بين نظام الحكم السابق في العراق وتنظيم القاعدة أكثر زيفاً، فلم يكن الزرقاوي يومها جزءاً من «القاعدة» ولم تكن له أي علاقة في هذا الوقت مع نظام صدام حسين، وإنما بإيران! وكانت الإدارة الأميركية تعرف ذلك جيداً.

ولكنها كانت تستخدم كل الأوراق في محاولة تجنيد العالم لتأييدها في غزو العراق، ومن هنا كان حرصها على بقاء الزرقاوي في كردستان وحمايته ليكون ورقة تزرع الخوف من علاقة (غير موجودة) بين نظام صدام وتنظيم القاعدة، مع تصعيد المخاطر من حصول هذا التنظيم علي أسلحة الدمار الشامل (غير الموجودة أيضا) من النظام العراقي السابق!!

هكذا تم استخدام الزرقاوي في تبرير غزو العراق من جانب أميركا، وكان من المفترض أن ينتهي دوره بعد ذلك ويتم التخلص منه، ولكن الأحداث لم تجر كما كانت الإدارة الأميركية والبنتاجون يتوهمان وفقاً للصورة التي روجها المعارضون العراقيون يومها وتبناها وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد ومساعدوه من أن الشعب العراقي سيرحب بالغزو.

وسيستقبل الجيوش الأميركية بالورد والرياحين! ومع اندلاع المقاومة المسلحة وتصاعدها، جاء الدور الأخطر للزرقاوي ليقوم بعملياته ويتم تصويره للعالم على أنه الوجه الحقيقي للمقاومة العراقية، بينما هو وجماعته لا يمثلون إلا جانبا ضئيلا من هذه المقاومة لا يزيد على عشرة في المئة وفقاً لتقديرات الخبراء الأميركيين أنفسهم.

ومع ذلك تم تضخيم العلميات التي يقوم بها الزرقاوي لأن هذا كان يحقق المصلحة الأميركية.. فهو من ناحية يصم المقاومة الوطنية الحقيقية ويصورها على أنها مجموعة من المتوحشين الذين يقطعون الرؤوس أمام عدسات التلفزيون.

وهو من ناحية أخرى يقود العراق إلى نفق الحرب الأهلية المظلم حين يعلن الحرب على الشيعة ويستغل الأخطاء الأميركية التي تعامل السنة على انهم المسؤولون عن أخطاء النظام السابق.

وأنهم هم الذين يرفضون الاحتلال في حين كان الانطباع أن الشيعة ـ خاصة في المراحل الأولى للغزو ـ كانوا يرحبون بالغزو الأميركي لأنه يخلصهم من صدام، ولأنه يمكنهم من السلطة التي لا يريدون لأحد أن يشاركهم فيها!

وهكذا تكررت القصة، ورغم كل الحرب الدعائية فإن القوات الأميركية تجنبت القضاء على الزرقاوي بعد الغزو، وتقول الدراسات المنشورة ان المخابرات الأردنية قدمت للقوات الأميركية ثلاث مرات معلومات عن مكان اختفاء الزرقاوي، وفي كل مرة كان الأميركيون يصلون إلى الموقع المحددة بعد أن يكون الزرقاوي قد غادرها!!

لكن يبدو أن الأمر قد تغير منذ شهور . فهناك محاولات جادة يشارك فيها الرئيس العراقي ومسؤولون عراقيون كبار لمحاولة إعادة المقاومة إلى العملية السياسية.

وفي نفس الوقت كانت المقاومة الوطنية تحاول تخليص نفسها من عبء الزرقاوي الذي يسيء إليها ويهدد بعزلها عن الشعب العراقي الذي يدفع الثمن الأكبر من العمليات البشعة للزرقاوي. ومن هذه الأرضية المشتركة تم تضييق الخناق على الزرقاوي حتى سقط.

أغلب التحليلات ركزت بالطبع على العراق، ومعظمها أكد أن رحيله سيخدم المقاومة الوطنية الحقيقية، وسيحد من التأثيرات السيئة للعمليات الوحشية والتي دفع ثمنها العراقيون بأكثر من الأميركيين .

علماً أن كل التقديرات تقول إن الزرقاوي كان يقود بضع مئات من المقاتلين غير العراقيين، بينما المقاومة العراقية الوطنية بفصائلها المختلفة تضم ما بين 20 إلى 40 ألف مقاتل عراقي.

ولكن الأخطر هو ما بدأت المصادر الأميركية في إذاعته عن الإرهاب القادم من جماعة الزرقاوي من داخل العراق إلى خارجه فهناك ـ أولا ـ ما كشفته صحيفة «نيوريوك تايمز» من أن الزرقاوي قد جند قبل مقتله مئات الأشخاص الذين تلقوا تدريبهم في العراق على العمليات الإرهابية ثم عادوا إلى بلدانهم في انتظار تلقي الأوامر لتنفيذ هذه العمليات ! ويقول التقرير إن عدد هؤلاء المدربين قد يصل إلى 300.

وان جهود الزرقاوي تضاعفت في الفترة الأخيرة لهذا الغرض، وانه نجح بالفعل في نقل متطوعين من سوريا وإيران وليبيا إلى العراق، وان متطوعين من المسلمين من دول أوروبية كانوا بين المئات الذين تم تدريبهم قبل أن يعودوا للانتشار في أوطانهم انتظاراً للتعليمات !

لكن الأخطر يأتي من المسؤول عن مكافحة «الإرهاب» في وزارة الخارجية الأميركية السفير هنري كرامبتون حين يسأل عن احتمال خروج أنصار الزرقاوي من العراق إلى دول الجوار فيكون الجواب أنه يرحب بهذا الأمر (!!) معللاً ذلك بأنهم سيكونون حينئذ تحت الضوء أكثر وبالتالي سيسهل عملية الملاحقة ( الحياة 11 يونيو 2006) .

ولا يحدد المسؤول الأميركي الدول التي يمكن أن ينتقل إليها أنصار الزرقاوي بعد خروجهم من العراق، ولكنه يضيف «أنا قلق حول الأراضي الفلسطينية لعدد من الأسباب، وآمل ألا تجد القاعدة ملجأ هناك»!!

ماذا نفهم من كل ذلك؟

الزرقاوي أدى مهمته كاملة. ولم تتم تصفيته إلا بعد أن أعد العدة لنقل مسرح عملياته إلى خارج العراق، وأميركا «ترحب» بذلك، فهي ـ على لسان الرئيس الأميركي نفسه ـ كانت تقول إنها تحارب «الإرهاب» في العراق بدلاً من أن تحاربه على أرض أميركا !!

وهي الآن ستقول إنها ستحارب «الإرهاب» في دول الجوار بدلاً من أن تحاربه على أرض العراق !!و ستكون الفائدة مزدوجة إذا كانت هذه الحرب ستجري علي الأراضي الفلسطينية كما يشير المسؤول الأميركي ـ حيث يتم الربط بين المقاومة الفلسطينية وتنظيم القاعدة ويبرر كل المذابح التي تجري بحق الشعب الفلسطيني.

وفلسطين ليست وحدها، فالكل مستهدف، و«الفوضى الخلاقة» هي الاستراتيجية الأساسية لأميركا في المنطقة مهما تغيرت الأساليب، ومهما تراوحت الحركة الأميركية بين الكر والفر. ودرس أفغانستان لا ينبغي أن يغيب عنا، فقد ذهب إلى هناك عشرات الآلاف من الشباب العربي المسلم ليحارب معركة أميركا تحت راية «الجهاد»!!

وعندما انتهت الحرب بسقوط الاتحاد السوفييتي وبوراثة أميركا للنفوذ والهيمنة ليس في أفغانستان وحدها، وإنما في العالم كله، تم إطلاق العائدين من أفغانستان ليعيثوا في الأرض العربية فسادا وإرهاباً، وبرعاية أميركية أيضاً.. غضت الطرف أحياناً.

ووفرت المأوى للقيادات الإرهابية أحيانا أخرى، ودفعت «الأصدقاء» لتوفير التمويل وسكتت على المذابح التي اجتاحت البلاد العربية من الجزائر إلى مصر إلى اليمن وغيرها. ولم تتحرك إلا بعد 11 سبتمبر، ولكن الحركة كانت لإعادة الأمور لنصابها.. أي لإعادة «الإرهاب» ليكون أداة في يد أميركا وليس سلاحاً عليها.

نقيب الصحافيين المصريين