إذا كانت الاراضي الفلسطينية المحتلة قد مرت خلال الايام الماضية بلحظات شديدة الخطر والدقة والحساسية صاحبها مناخ مشحون واعصاب منفلتة وردات فعل عصبية ترفض الاستجابة لدواعي المصلحة الفلسطينية وحتى اعتبارات اخوة السلاح، إلا أنه يمكن القول ان هذه اللحظات تقترب الان من نهايتها أو على الاقل تخف حدتها بشكل يسمح للمنطق والمصلحة الفلسطينية ان تأخذ طريقها دون عوائق كبيرة.
صحيح لن تنته مظاهر التوتر تماما بين الفصائل الفلسطينية ولن تختف كل اسباب المواجهات والجدل فجأة، ولكن الصحيح ايضا ان هناك الان إدراكا اكبر واعمق لحقيقة انه من غير الممكن لطرف فلسطين، حماس او فتح، فرض نفسه او وجهة نظره هو فقط على كل الفلسطينيين.
وهذا الادراك هو المقدمة الضرورية والتي لا غنى عنها لكي يتم فتح الطريق امام امكانية الالتقاء والاتفاق والعمل معا بتناغم أكبر واعمق وعلى نحو يحقق المصالح الفلسطينية التى لايختلف الطرفان في النهاية على ضرورة تحقيقها وصيانتها.
وفي الوقت الذي ترددت فيه تصريحات من جانب الرئاسة والحكومة الفلسطينية تتحدث عن الامل وامكانية الاتفاق في اطار الحوار الفلسطيني الذي انتقل الى غزة ليتواصل بين الفصائل الفلسطينية جميعها، فانه من المأمول ان تنجح فتح وحماس في التوصل الى توافق يسمح لهمابالتعاون وحسن النية والصدق ايضا لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه دون مناورة هنا أو محاولة لاكتساب الوقت من هناك لأن هذه الممارسات لا تؤدي سوى الى اضعاف الثقة المتبادلة وتغذية مشاعر الاحباط في الشارع الفلسطيني في وقت لايحتمل المزيد من اهدار عناصر القوة الفلسطينية الممثلة في الانسان الفلسطينى وفي الوحدة الوطنية الفلسطينية وبالتماسك بين كل فصائل وقوى الشعب الفلسطيني خاصة وانه من الصعب الدخول في لعبة المزايدة من جانب طرف ضد اخر لا امس ولا اليوم.
لقد واجه الشعب الفلسطيني ولا يزال يواجه ظروفا قاسية زادت حدة وتدهورا خلال الشهور الاخيرة لاسباب معروفة. ولأنه من غير الممكن مواجهة ذلك وانهائه من خلال الاساليب الفرعية وغير الفعالة، فإنه اصبح من الضروري التوصل الى قرارات محددة وقابلة للتطبيق على الارض لوضع حد للمعاناة اليومية الفلسطينية من ناحية وإفساح الطريق امام امكانية اعادة تحريك المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية مرة اخرى من ناحية ثانية.
وفي هذا الاطار تتردد الافكار الخاصة بتشكيل حكومة فلسطينية جديدة من التكنوقراط المستقلين لحل المشكلات الحالية حتى يمكن الخروج من الموقف الراهن غير ان هذه الافكار تظل مجرد افكار تتوقف فرص تحقيقها على عوامل عديدة من اهمها مدى قبول حماس بها ورؤيتها لهذه الفكرة وشروطها لتطبيقها، وكذلك موقف الاطراف الفلسطينية الاخرى منها وطبيعة علاقتها بالخطوات الاخرى التالية على الساحة الفلسطينية.
على اية حال فإنه اذا كان قد تم الاتفاق على استيعاب القوة الامنية الخاصة التي شكلها وزير الداخلية الفلسطيني ودمجها في قوات الامن الفلسطينية، وهو مايعد خطوة هامة وايجابية، فإنه يمكن بالتأكيد الاتفاق على الخطوات الاخرى بين الحكومة والرئاسة الفلسطينية لتسهيل وضمان التوصل الى اتفاق في اطار الحوار الفلسطيني قبل موعد الاستفتاء الذي تحدد تاريخه في 28 يوليو القادم وبذلك يتم نزع فتيل وسبب لخلافات قابلة للتصاعد والتعقد اذا لم يتم التعامل معها بحكمة وبعد نظر وتجاوز لاية حسابات صغيرة او آنية او انانية من جانب هذا الطرف او ذاك.
أما ممارسات اسرائيل الاجرامية ضد المدنيين الفلسطينيين فإنها ممارسات لاتخفف منها اعتذارات تلفزيونية لان جرائم الحرب لا تمحوها الاعتذارات.
واذا كان وزير الدفاع الاسرائيلي عمير بيرتس قد سار على نفس الدرب باستخدام دم الاطفال والنساء والشباب الفلسطينى لرسم صورة محددة له لدى الرأي العام الاسرائيلي بعد توليه منصبه في حكومة اولمرت، فإنه يسير بذلك على طريق بيريز ورابين وشارون وليس في ذلك مفاجأة ولكن المفاجأة ان يستمرالفلسطينيون على ماهم فيه من خلاف وجدل لافائدة منه!!