في إطلالته الأسبوعية المشعة بالضوء والغنية بالدروس والحافلة بالمشاهد التي شهدها والوقائع التي عايشها، والتي يروي تجربته الإنسانية والتاريخية مع وقائعها من قناة الجزيرة، أطلق الكاتب الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل على الثورات الوطنية المصرية الثلاث بقيادة الزعماء التاريخيين أحمد عرابي عام1881،.

وسعد زغلول 1919، وجمال عبد الناصر 1952 وصفاً لافتاً يقترب في دقته من دقة حركة الساعة التي شبه بها حركة الثورة بأنها «ثورة إلا خمسة»، ولا أظن بأن الأستاذ الكبير كان يحاول بهذا الوصف الجديد الارتفاع فوق الجدل العقيم الذي بدأ يثور في بعض أوساط النخبة السياسية خصوصاً في سنوات السبعينات كل من زاويته حول توصيف التغيير الذي حدث عام 52، أهو انقلاب أم ثورة؟

بل المتصور أنه بهذا التوصيف الذي لا يبدو موقفاً وسطاً بين رؤيتين ولا محاولة توفيقية بين طرفين حول تفسير ما حدث في 23 يوليو، يسعى إلى توضيح الحقيقة.

وهو الذي أتيح له أن يعيش وقائعها، ويقترب كثيرا من قياداتها، بل ويشارك زعيمها في صياغة فكرها، ولهذا نراه يتجه مباشرة إلى موضوع الجدل محاولاً بهذا الوصف الإشارة إلى ما واجهته الثورة من تحديات وعقبات سواء من خارجها أومن داخلها والتي حالت دون أن تكمل طريقها لتصل إلى كل أهدافها.

ومع التسليم بأن منظري الثورة كانوا يعبرون عن أصحاب المصلحة فيما حدث في 23 يوليو وما أحدثه من تغيير إيجابي عميق في بنية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي لصالح الطبقات الشعبية المحكومة.

وهم بالمناسبة كانوا يمثلون غالبية الشعب المصري، ومع التسليم أيضا بأن المنظرين أصحاب طرح «الانقلاب» كانوا في الغالب هم المعبرين عن الذين تضررت مصالحهم بسبب ما جرى لامتيازاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية نتيجة لما جرى ليلة 23 يوليو من تغيير سلبي، وهم بالمناسبة كانوا يمثلون الأقلية المتحكمة من الشعب المصري.

الواقع أن الذين اعتنقوا نظرية الثورة كانوا مقتنعين بشرعيتها، بمنطق أن الشرعية تنبع في الأساس من رضا وتأييد غالبية الشعب، ومن مدى قدرة الثورة على بلورة المبادئ التي تعبر عن تطلعاتها، وصياغة وتنفيذ المشروع الوطني القادر على تحقيق حرية الوطن وحرية المواطن، وكرامة الوطن وكرامة المواطن بما يضمن توزيع السلطة والثروة بعدالة.

أما الآخرون الذين انحازوا إلى نظرية الانقلاب يرون عدم مشروعيتها بمنطق أنها عملية غير دستورية، وتسلم السلطة والثروة للقوة السياسية التي قامت بها دون بقية القوى الوطنية وليس فيها اي ضمان للحرية، كما يرون أنها منافية للديمقراطية الكفيلة وحدها وبمشاركة جميع القوى في ضمان الحرية والعدالة والتقدم.

منظرو فكرة الثورة يرون أنها تستند في مشروعيتها على الديمقراطية ذاتها، والتي تعنى ببساطة سيطرة الأغلبية على الحكم خصوصا أنها بأهدافها الستة وبمشروعها الوطني، عبرت عن طموحات الأغلبية من الشعب، بدليل تأييد غالبية الشعب لها فور انطلاقها.

بينما الديمقراطية التي يحتج بها منظرو الانقلاب كانت قبل الثورة شكلا سياسيا بغير مضمون ديمقراطي عندما كان البرلمان لا يضم في غالبيته سوى الباشاوات والبكوات من ملاك الأراضي والمصانع وهم ممثلو الأقلية، بينما الفلاحون والعمال والطبقة الوسطى وهم الأغلبية التي لا تملك شيئاً لم يكن بمقدورهم لا عضوية البرلمان ولا حتى عضوية الحياة الكريمة.

ولأن الأستاذ هيكل هو أحد أبرز منظري الثورة فقد عرض في إطلالته التلفزيونية من الوقائع فيما قبل يوليو ما يوضح كيف تم التلاعب حتى بتلك الديمقراطية الشكلية، حين كان الذي يكلف بتشكيل الحكومة هو أحد أحزاب الأقلية وليس الفائز بالأغلبية!، بل الأكثر مدعاة للتأمل هو ذلك الاضطراب الذي أدى إلى تشكيل أربعة حكومات في أقل من عام واحد قبل الثورة.

وليس أدعى للأسى من قيام الدبابات الانجليزية بإجبار القصر على إقالة حكومة الأقلية وتكليف حزب الأغلبية بتشكيل الحكومة في حادث 4 فبراير الشهير، ومع ذلك يبقى الفارق كبيراً بين الانقلاب والثورة، فالانقلاب هو مجرد تغيير حاكم بآخر بهدف الوصول للسلطة بالقوة على عكس إرادة الشعب من دون سبب قانوني دافع أو هدف شعبي شافع.

بينما الثورة هي السيطرة على السلطة بالقوة توافقا مع الإرادة الشعبية بسبب انسداد قنوات التحول السلمي لإحداث تغيير جذري شامل في اتجاه إزالة العوائق وفتح الطريق أمام تلك الإرادة الشعبية لتحقيق أهدافها المشروعة في الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

ووصف الأستاذ هيكل «ثورة إلا خمسة» يؤكد على أن ما جرى صباح 23 يوليو كان ثورة بحجم وعمق واتجاه ما أحدثته من تغيير في المجتمع المصري وإن لم تبدأ في انطلاقتها الأولى كثورة وإنما كحركة للإصلاح، وعلى أكثر تقدير حسبما كان يردد أحد رجال القصر البارزين والذي كلفه الضباط الأحرار بتشكيل أول حكومة بعد 23 يوليو وهو «علي ماهر باشا» قائلاً «إن كان ثمة ثورة قد حدثت، فقد انتهت».

كانت ثورة وهى التي أصر رجالها منذ البداية على البعد عن الحكم وتركه للسياسيين المحترمين والقانونيين الوطنيين، كما أصروا أيضاً على إجراء انتخابات نيابية نظيفة في خلال ستة شهور فقط من يوليو 52 تأتي بالحزب الذي يشكل الحكومة طبقا لأغلبيته الشرعية.

والتي كانت تدرك يقينا أن الإصلاح السياسي بغير إصلاح اقتصادي واجتماعي مواز هو مجرد إصلاح شكلي، من هنا كان إصرارها الحاد على صدور قانون للإصلاح الزراعي يعيد توزيع الثروة الوطنية بعدالة على الفلاحين بعد أن حرموا منها لعشرات السنين، والثورة التي أدركت منذ البداية أن الحرية السياسية لا تتم بغير الحرية الاقتصادية، وأن الحرية بمعناها الحقيقي لها جناحان هما «الديمقراطية السياسية» و«الديمقراطية الاجتماعية».

وأن أحدهما لا يمكن أن يكون بديلا عن الآخر، وأخيراً لأن هذه الثورة البيضاء لم تتمكن من إنجاز بعض أهدافها تبقى مع ذلك في رأى الأستاذ هيكل «ثورة ولكن.. إلا خمسة». ليكن ذلك، لكن التاريخ سجلها ثورة، والتاريخ، كما قيل هيكل نفسه، ليس هو الماضي كما يتصور البعض، بل هو الماضي المؤثر في الحاضر والكاشف عن الطريق للمستقبل.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com