لو كنت مكان الرئيس جورج دبليو بوش لخجلت من نفسي وما سمحت لأحد بان يقنعني بتمثيل ذلك المشهد الهوليودي على ارض العراق. ما كنت اقبل بان اذهب متخفيا مثل الهاربين من القانون أو زعماء العصابات، وما كنت سأملك الشجاعة لأظهر فقط في المنطقة الخضراء لأفاجئ رئيس الوزراء بدقة الحبكة السينمائية لحركة حسبت علي وليست لي.
ثلاثة أعوام، وفوقها بضعة كسور من الأشهر والأسابيع، و150 الف جندي، ومئات الطائرات، وآلاف الدبابات، وخطة وراء خطة، وتصريح تلو تصريح، ومازال جورج دبليو بوش يخاف ان يدخل بغداد في وضح النهار، تحت ضوء الشمس والكاميرات، ويخشى من ابلاغ الرئيس الطلباني حتى يقوم بواجب الاستقبال ومراسيم حرس الشرف، لا في ساحة المطار ولا خلف أسوار قصر الرئاسة.
صدام حسين يجلس يوميا في ذلك القفص مع اتباعه الستة، ولا يشغل لهم غير «حك» ما علق بأجسادهم ولحاهم، وقاضيهم بحاجة إلى من يقاضيه، ومحاموهم سعداء بالظهور على شاشات البث المباشر، ومازلنا عند «حسين السيد حيدر» ان كان قد اعدم ام مازال حيا، ومن جرف أراضي الدجيل وبساتينها، وراح الزرقاوي، وجاء المهاجر،
ولكن «زلماي خليل زاد» مازال غير قادر على الخروج من مكتبه، والديمقراطية ضائعة وسط «شعوبية» الفئات المتنازعة على الحكم، هذا اخ كردي، وذاك اخ شيعي، وبينهما الإخوان العرب السنة، مسميات أنكرها العراق من قبل فإذا بديمقراطية بوش الموعودة تزرعها وتسقيها وترعاها، والرئيس بجلال قدره يصل إلى بغداد سرا،
خافت عليه مخابراته، فصاروخ متخلف قد يطير صدفة لينسف الطائرة الرئاسية، وقد يترصد الموكب صبي منحه أحدهم صك الغفران والشهادة فحزم وسطه بالمتفجرات، وقد تكفي رصاصة من رشاش أو قذيفة هاون لتفتت المروحية، فهبط بوش من السماء إلى المنطقة الخضراء دون ان يستخدم ايا من الوسائل المساعدة الثلاث، وظن انه ربح، وانه قد ادى دورا بطوليا، خاصة وان «رامسفيلد» قد صفق له.
ثلاث سنوات مرت على تحرير العراق، وهي نفس الفترة التي مرت على احتلال العراق، فنحن نتقبل قول هذا بالتحرير وقول ذاك بالاحتلال، وبعد، بعد كل ذلك يقول الرئيس جورج دبليو بوش عبر زيارته الخفية انه لم يجلب الأمان للعراق، لا لناسه، ولا لقادته، ولا لمحرريه، ولا لمحتليه، ولا لرئيس القوة العظمى التي بشرت بالخير، فلماذا لا نخجل لو كنا مكانه؟
لماذا لا نستحي من أنفسنا بعد كل الدماء التي سفكت والأرواح التي أزهقت ونحن نخشى المشي تحت الحراسة في طرقات بغداد؟هذا لو كنا مكان بوش، ونحمد الله بأننا لن نكون مكانه حتى لا تقطر خدودنا دما من الخجل ولا تنكسر عيوننا حياء من شدة الإحراج.