في وقت تفيض فيه وسائل الإعلام الرسمية العربية بحديث مطول عن الانتماء تعاني النخبة العربية المثقفة من اغتراب شديد، نظرا لشعورها بالعجز تجاه تغيير الواقع الأليم للأمة ، وانعدام حيلتها في ردم الهوة بين ما تتمنى وما هو موجود بالفعل، وحيرتها أمام طغيان النزعة المادية على قيمة الفكر، وخضوع من ينتجون المعرفة لسلطان من يملكون المال.
ويعاني المواطنون العرب أنفسهم من اغتراب أيضا، نظرا لغياب المشاركة السياسية، وزيادة الهوة بين الطبقات الاجتماعية، وانتشار ظاهرة الاستلاب الثقافي، وفقدان الثقة في قدرة أغلب النخب الحاكمة على الخروج ببلدانهم من أنفاق التاريخ، وجعلها تشكل رقما ذا بال في عالم يتنافس بضراوة حول المكانة والمصلحة.
وتزداد الصورة قتامة في ظلال الاتهامات الجزافية التي يُرمى بها كثير من الإصلاحيين العرب بالخيانة حين يتحدثون عن اغترابهم في أوطانهم، ويفيضون شرحا في تبيان ما للانتماء من التزامات على الدولة والسلطة الحاكمة قبل أن تطالب المواطنين بأن يعلنوا جهارا نهارا ولاءهم وانتماءهم لأوطانهم. ومثل هذا الوضع الملتبس أحيانا يفرض ضرورة تعريف الانتماء وشروطه في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ العرب.
ومن حيث المنشأ فإن الانتماء قيمة عظيمة في حياة الأفراد والشعوب، إذ لا مناص أمام الإنسان سوى أن ينتمي إلى قيمة أو فكرة أو رمز أو مؤسسة اجتماعية، أو كل هذا معا، لأن هذا الوضع يجعله يشعر بأن لحياته فائدة، ولوجوده قيمة، ويحميه من الضياع والاغتراب، الذي ينبع من وجود صراع بين قيم متضاربة تؤدي إلى تلاشي الذات وسقوط الهوية الفردية والجماعية.
والاتجاه الأساسي الذي أخذته قيمة الانتماء تمحور حول مسألة «الوطنية«، إذ أن الانتماء للأوطان، أرضا وتاريخا وحضارة، يمثل شحنة عاطفية وروحية تدفع المرء إلى العمل الجاد والمشاركة البناءة في سبيل تقدم ورفعة بلاده، وبغير هذا الشعور قد ينزلق الإنسان في الاتجاه المضاد، ويصبح متطرف التفكير والسلوك، بل وتثار علامة استفهام حول هدف حياته.
وهناك مفاهيم مرتبطة بالانتماء أو تمثل درجة من درجاته، مثل الولاء، والالتزام، والإحساس بروح الجماعة والعضوية. والولاء ينبع من الحب التلقائي، المجرد من المصلحة، الذي يجعل الفرد يميل إلى التحدث والتصرف في القضايا العامة والدفاع عنها، خاصة إذا كان لديه شعور بعدل القائمين على الأمر.
وقد ارتبطت فكرة الولاء بالحكومات أكثر من ارتباطها بأي تنظيم أو جماعة سياسية معارضة، فمن وجهة نظر الأميركيين فإن الفكرة تبلورت في الإجراءات المدروسة التي اتبعها الرئيسان الأميركيان ترومان وإيزنهاور في ترسيخ ولاء أفراد الشعب لخدمة الحكومة، ولذا يعتبرون الشخص الموالي بأنه الشخص الذي يكرس نفسه لخدمة الحكومة، من منطلق الثقة في القادة السياسيين، مهما تكن درجة جدارتهم أو طبيعة سياساتهم.
ويعتبر الولاء من أهم مؤشرات تكامل المجتمع السياسي، إذ أن المجتمعات التي تعاني من أزمة في هذا الصدد يغلب على أفرادها طابع الولاء المحلي الضيق. أما المجتمعات المتكاملة التي تسودها ثقافة سياسية حديثة فإن أفرادها يتجهون بولائهم نحو الدولة القومية، بما يتضمنه ذلك من إعلاء المصلحة العامة، والوعي بالمشكلات والقضايا الكبرى والجوهرية التي تمر بها الدولة.
والالتزام هو شعور بمسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع، تجعل الفرد يؤدي واجبه على أكمل وجه، ويحترم القانون. وهذا، بالطبع، يتطلب توافر العدل، أي إحساس هذا الفرد بأن الحكومة تتوخى العدالة في ما تتخذه من قرارات لترتيب مختلف الأوضاع الاجتماعية. أما إذا كانت الحكومات لا تتحرى العدل ولا تنحاز إلى المصلحة العامة فإن بعض المحكومين قد يجدوا مبررا للتحلل من أي التزامات.
ويرتبط الإحساس بروح الجماعة بمفهومي «الوجدان الجمعي» و«التضامن»، والأول يعني اشتراك عدد كبير من الأفراد في الشعور نفسه، سواء كان السرور أم الحزن أم الغضب، والثاني، يشكل أحد مظاهر الترابط الاجتماعي، الذي يشاهد بصفة عامة بين الجماعات الصغيرة، حيث تصل روح التضامن إلى درجة عالية، تدفع الجماعة كلها إلى أن تعمل كفرد واحد.
أما العضوية فهي انتماء لتنظيم سياسي أو اجتماعي ما والتزام بأسلوب عمله وتوجهاته، وتسبقها مراتب منها المؤيد والمؤازر والنصير والمرشح، تبعا لطريقة عمل كل تنظيم. وفي الممارسة السياسية الإسلامية كانت هناك درجات للعضوية، مثل المستجيب والمبتدئ والمريد، وهي مراحل تأتي قبل الانضواء التام تحت لواء الحركة أو التنظيم، واستعمل البعض مصطلح «الشد» ليعبر عن مرحلة الانضمام إلى حركة «الفتوة» في العصر العباسي.
وعلى وجه العموم فإن قيمة الانتماء تتجلى في عدة مظاهر، من بينها تشجيع الصناعة المحلية، والاعتزاز باللغة الوطنية والزي الوطني، والالتفاف حول علم يمثل رمزا للدولة، والتمسك بالقيم العامة التي تتفق عليها الجماعة الوطنية، والاستعداد للتضحية من أجل الوطن حين يتعرض للأخطار،
بل يذهب البعض إلى حد اعتبار التسامح في المجتمعات التي تتسم بفسيفسائية عرقية أو لغوية أو دينية أو غيرها هو دليل قاطع على الانتماء، إذ أن التعصب يشكل ثغرة واسعة ينفذ منها العدو الطامع إلى الصفوف المتراصة والمنتظمة فيمزق وحدتها ويبدد شملها ويفرض سلطانه عليها، ويجد في التعصب تربة خصبة يبذر فيها بذور الشقاق.
ومن أسف فإن السجال الفكري والحركي الذي يدور حول «الانتماء» في عالمنا العربي يخلو غالبا من تحري الدقة في معرفة حدود الانتماء وأشكاله وشروطه، ويتعامل مع الأمر وكأنه قضية مفروغ منها، لا تقبل جدلا ولا نقاشا، ولا تحتاج إلى أن يحصل الإنسان العربي على حقوق المواطنة كاملة قبل مطالبته بالانتماء الكامل، وليس مجرد الإحساس بروح الجماعة أو الالتزام، بما يجعلنا جميعا نتراص في وجه أي استراتيجية خارجية تريد النيل من كرامة أوطاننا وعزتها ومصلحتها الآنية والمستقبلية.