تلعب الفروق الطبقية بين البشر أدوارا كبيرة في كل شيء بدءا من أشكال الطعام والملبس والمسكن وانتهاء بأشكال الترفيه والتريض. فالرياضة وأنماط ممارساتها تختلف من طبقة لأخرى ومن شريحة لأخرى. ففي الولايات المتحدة الأميركية لا تكتسب لعبة التنس ذلك القدر من التميز الذي تحوزه في الكثير من البلدان العربية حيث تحتاج هذه اللعبة إلى نواد معينة وأدوات رياضية تكلف الكثير في ظل الحالة الاقتصادية المتدهورة في الكثير من هذه البلدان.

وعلى العكس من ذلك تصبح ممارسة الجولف هى رياضة الصفوة سواء في الغرب أو في العالم العربي على السواء إلى الدرجة التي ارتبط بها بناء المدن الحديثة بوجود ملاعب مصاحبة لها خاصة بممارسة لعبة الجولف. وفي الغالب الأعم يمارس الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى رياضة المشي أو العدو، فلا سبيل أمامهم سوى استخدام الفضاء المكاني المتمثل في الشوارع والجبال والغابات ليمنحهم ذلك القدر من الرضا بأنهم يمارسون الرياضة مثلهم في ذلك مثل غيرهم الذين يسبحون أو يلعبون الجولف أو التنس أو يركبون الخيل.

ويلفت الانتباه هنا أن معظم الأبطال العرب والأفارقة العالميين هم من العدائين؛ فأبطال المغرب وكينيا واثيوبيا هم في الغالب الأعم من الفقراء الذين لم يجدوا أمامهم سوى رياضة العدو الرخيصة التي منحتهم ولوج الشهرة العالمية من أوسع الأبواب. وفي هذا السياق، يصبح الفقر حافزا للعدو، وربما الانتقام من وطأة الظروف المجحفة الظالمة.

ولم يكن العدو وحده كافيا لإشباع الإنسان الفقير، فالعدو ممارسة على وتيرة واحدة منتظمة ومملة، ربما لا تمتع الكثيرين، كما أن العدو يحتاج إلى لياقة بدنية عالية قد لا تتوفر للكثيرين ممن يقبلون عليه ويمارسونه. من هنا جاء ابتكار كرة القدم ليحقق هذه المعادلة الصعبة بين ممارسة رياضة ما وبين الوصول لحدود معينة من الإمتاع. كما أن كرة القدم استطاعت أيضا أن تفرض نفسها بوصفها اللعبة الشعبية الأولى في العالم، ورغم ارتباطها بالأساس بالفقراء فإنها قد تعدت ذلك إلى كل الشرائح الاجتماعية سواء من خلال اللعب أو من خلال المشاهدة.

كرة القدم لعبة الفقراء بامتياز حيث يستطيعون ممارستها في الحواري والأزقة والشوارع والساحات الشعبية. ففي ظل مستويات الفقر غير المسبوقة في الكثير من مناطق العالم، في افريقيا وأميركا اللاتينية، يصعب على هؤلاء الفقراء ارتياد الأندية وشراء الملابس الرياضية. من هنا تفرض كرة القدم نفسها بشكل لا تفرضه أشكال الرياضات الأخرى، حيث يمكن ممارسة كرة القدم في أي مكان، وبأي ملابس كانت، بل إن البعض يمارسونها وهم حفاة الأقدام، وبكرة محشوة بالملابس القديمة.

وفي الكثير من العشوائيات المنتشرة في العالم العربي، تفرض كرة القدم نفسها بوصفها الرياضة الأولى لساكني هذه المناطق، حيث يبحث صغار السن والشباب عن أي أرض خالية ويقومون هم أنفسهم بتشذيبها وتحضيرها للعب. لا يكلفهم الأمر شيئا، ربما يرتدي المحظوظون منهم أحذية في أقدامهم، وربما لا يجد البعض الآخر ما يرتديه فيلعب حافيا معرضا نفسه للإصابة، حيث لا يهم ما سوف يحدث فالمهم هو الانخراط مع الباقين والاستمتاع باللعب.

تمنح كرة القدم الفقراء المتعة والسعادة وأيضا الطموح؛ فمعظم لاعبي كرة القدم المشهورين في البرازيل وغيرها من دول أميركا اللاتينية وافريقيا هم من الفقراء ذوي الأصول المتواضعة حيث تصبح كرة القدم بالنسبة لهم سبيلا للغنى والشهرة. لذلك فإننا نادرا ما نجد لاعب كرة قدم يتسم بالثقافة والمعرفة، حيث تصبح عبقريتهم كامنة في أقدامهم، وتصبح رغبتهم في تجاوز أصولهم الاجتماعية أهم من أي شيء آخر.

والكثير من الآباء الآن في منطقتنا العربية يتمنون لأولادهم إما أن يصبحوا مطربين أو لاعبي كرة قدم، حيث تصيبهم الأرقام الفلكية التي يحصل عليها لاعبو كرة القدم هذه الأيام بالدوار والحسرة والتمني في الوقت نفسه. ورغم ذلك، انطلقت كرة القدم لتغزو كل مكان في العالم، وتصبح من المعالم القومية لكل بلد؛ فالكثيرون لا يعلمون شيئا عن البرازيل سوى أنها تمتلك أعظم فريق كرة القدم في العالم، كما أن الكثيرين لا يعلمون أي شيء عن الأرجنتين سوى عن لاعبها الفذ دييجو مارادونا.

كما أن منافسات كرة القدم المختلفة المحلية والعالمية قد أصبحت من الأحداث القومية مثلها في ذلك مثل العلم والنشيد الوطني.

لقد تجاوزت كرة القدم الآن كونها لعبة الفقراء، حيث أصبحت اللعبة الكونية الأولى، يمارسها الآن الفقراء والأغنياء على السواء. ومن لم يمارسها من الأغنياء يمكنه ممارستها من خلال المشاهدة الحية والفعلية للمباريات العالمية، مثلما يحدث الآن مع مباريات كأس العالم التي يذهب إليها الأغنياء من كل بقاع الأرض وراء منتخباتهم لمشاهدتها.

فمباريات كأس العالم المنعقدة الآن في ألمانيا لا تقف فقط عند حدود الحدث وإجراء المباريات، لكنها تعدت ذلك إلى مستويات غير مسبوقة من التربح سواء من خلال تشجيع السياحة واستقدام الجماهير المختلفة التي تنشد مؤازرة منتخباتها، أو من خلال حقوق البث المختلفة، وما يرتبط بذلك من الحصول على أرباح هائلة من وراء الإعلانات المختلفة، أو من خلال حالة البيع المسعورة التي تلازم كل مباراة لأعلام الدول المختلفة وما شابه ذلك من تلك الأشياء التي يصحبها الجماهير معهم لتأكيد هوياتهم وتأكيد مؤازرتهم لمنتخبات دولهم.

لم تعد كرة القدم ذاتها مجرد لعبة رياضية يمارسها البعض من أجل الترفيه والاستمتاع بل إنها تجاوزت ذلك وتعدته بوصفها حدثا قوميا وعالميا تحشد له الدول مواطنيها وتغرز فيهم شحنات عاطفية تجاه منتخبات بلادهم. كما أن الدول ذاتها تستفيد من كرة القدم بوصفها حدثا يلتف حوله مواطنوها بعيدا عن شؤون السياسة ومضارها، فلا يمكن للدول أن تجد وسيلة يمكن من خلالها إلهاء الجماهير أهم وأكثر تأثيرا من الساحرة المستديرة كرة القدم.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com