العولمة، الإرهاب وحوار الحضارات تلك هي أهم التحديات التي تواجه الإعلام العربي في عصر أصبحت فيه الدعاية والتشويه والتضليل والتلاعب بالعقول والرأي العام هي سمة الصناعات الإعلامية والثقافية. صناعة الرأي العام والعلاقات العامة أصبحت تشكل الرهان الكبير الذي تتنافس من أجل كسبه القوى العظمى والدول الفاعلة في النظام العالمي. ومن يخسر معركة الرأي العام يخسر تسويق صورته الحقيقية للآخر ووجهة نظره وأفكاره.
تحديات عديدة تواجه الإعلام العربي في مختلف المجالات. مواضيع هامة وساخنة على الأجندة للمناقشة والدراسة مثل مشكلة الإرهاب، العولمة وحوار الحضارات إلى جانب مشكلة العراق، والهجمات المغرضة لوسائل الإعلام العالمية وخاصة الغربية منها ضد الإسلام والمسلمين والعرب، القضية الفلسطينية، إشكالية الاستثناء الثقافي، القوانين والتشريعات الإعلامية، الرقابة،
حرية الصحافة، القنوات الفضائية وإشكالية الإنتاج الإعلامي، شبكة المعلومات العربية، الإرهاب، التمييز العنصري، حقوق الإنسان، ازدواجية المعايير والقيم، تسويق صورة العرب للآخر، الدعاية الصهيونية، الصور النمطية والتضليل والتزييف والقائمة طويلة.
الإعلام والاتصال والثورة المعلوماتية أصبحت عناوين الرهانات الرئيسية والاستراتيجية التي يتصارع حولها الشمال والجنوب وحتى الشمال نفسه أصبح يعاني معاناة قاسية من قبل الذي يملك ويسيطر. والسؤال الذي يستوقفنا هنا هو هل من استراتيجية إعلامية عربية؟ وهل قدمت الدورات السنوية لمجلس وزراء الإعلام العرب وعقدت منها 39 دورة حتى الآن، رؤية واستراتيجية عربية لمواجهة التحديات المختلفة التي يطرحها الإعلام والثورة المعلوماتية والاتصالية؟
في عصر العولمة والإرهاب وصراع الحضارات يحتاج العالم العربي وأكثر من أي وقت مضى إلى تفعيل نظامه الإعلامي وإلى رسم استراتيجية وخطة إعلامية عربية واضحة الرؤية والمعالم. الإعلام العربي اليوم بحاجة إلى آليات ومنهجية وطرق تسيير وإدارة تخرجه من الدروب الضيقة إلى مجالات واسعة يستطيع من خلالها تحديد مكانة مرموقة له سواء محليا أو عالميا.
وقبل الكلام عن استراتيجية على مستوى الوطن العربي بحيثياته وخصائصه ونقاط التشابه والاختلاف بين ال22 دولة عربية و300 مليون نسمة، يجب النظر إلى واقع الإعلام العربي على مستوى كل دولة عربية، فالملاحظ أن غالبية الدول العربية لم تستعمل الجهاز الإعلامي في تحرير الفرد العربي وإشراكه في عملية التشييد والبناء والنقد الذاتي وصناعة القرار،
وإذا نجحت الدول العربية في استغلال الجهاز الإعلامي لتمرير خطاب السلطة وفي فرض الإعلام العمودي لتكريس الوضع الراهن فإنها فشلت فشلاً ذريعاً في إرساء قواعد الإعلام الديمقراطي المسؤول، الإعلام الأفقي الذي ينتقد ويحلل ويبني ويشرك الجماهير في عملية التنمية والمشاركة السياسية.
وإذا افتقد الإعلام العربي للحرية والمصداقية والجرأة والشجاعة في طرح القضايا الجادة والمصيرية التي تهم الشارع فإنه لا يستطيع أن يساير التحديات وأن يواكب العصر الرقمي. لقد حان الأوان لتحديد الأولويات والإستراتيجيات فيما يتعلق بالجهاز الإعلامي والآلة الإعلامية على مستوى كل قطر عربي قبل الانطلاق في تحديد استراتيجية إعلامية عربية لمواجهة تحديات الألفية الثالثة.
إشكالية علاقة السلطة بوسائل الإعلام في الوطن العربي تحتاج إلى دراسة متأنية وإعادة نظر صريحة وجريئة حتى تصبح المؤسسة الإعلامية في الوطن العربي مؤسسة فاعلة، تغيّر وتكشف وتحقق وتستقصي. وإذا كانت المؤسسة الإعلامية تفتقد للحرية وللقوانين الواضحة والصريحة ولميثاق الشرف ولمناخ ديمقراطي تسوده الشفافية وثقافة النقد والنقد الذاتي، فالكلام عن عملية مواجهة العولمة وتحديات الألفية الثالثة يصبح مجرد شعارات فارغة.
من المحاور التي وقفت عندها الدورة الأخيرة لمجلس وزراء الإعلام العرب طريقة ومنهجية التعامل مع الآخر وتسويق الصورة الحقيقية للعرب وللإسلام ومواجهة الصور النمطية والتضليل والتشويه خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. والملاحظ والمطلع على مخرجات الإعلام العربي يدرك التغيرات الكبيرة والمتعددة التي يمر بها هذا الإعلام. فالمؤسسة الإعلامية العربية ما زالت في الكثير من الدول العربية لم ترق إلى المؤسسة الإعلامية بالمعنى الكامل للكلمة سواء من حيث الإدارة أو التسيير أو التنظيم أو الهيكلة أو الوسائل أو الكادر البشري.
من المواضيع الحساسة والمحورية التي تعنى بها دورة مجلس وزراء الإعلام العرب موضوع الصناعات الثقافية والإنتاج الإعلامي العربي ومدى قدرته على التفاعل مع الإنتاج العالمي وقدرته على تسويق الفكر والصورة والذهنية العربية. وإذا أخذنا موضوع القنوات الفضائية العربية كمثال للخطاب الإعلامي العربي أو كمثال لمخرجات الآلة الإعلامية العربية نجد أن معظم هذه الفضائيات ركّزت على التكنولوجيا وأهملت الرسالة ومعظم هذه الفضائيات تفتقر لخطة ولإستراتيجية ولميزانية لإنتاج الرسالة الإعلامية الهادفة التي تواجه بها التدفق الإعلامي العالمي الغزير.
تحديات الألفية الثالثة في مجال الاتصال والمعلومات متشعبة ومتعددة وخطيرة في نفس الوقت والعالم العربي يجد نفسه اليوم أمام واقع يحتم عليه التحكم في التطورات التكنولوجية الهائلة في مجال الإعلام والاتصال ومواكبتها وهذا لا يعني التحكم في التكنولوجيا دون التفكير في الرسالة والمحتوى والإنتاج بعبارة أخرى في المخرجات.
والتحدي الكبير الذي يواجه العالم العربي هو حماية وصيانة الهوية الثقافية والحضارية للأمة العربية وشخصيتها القومية ومواجهة الذوبان في الثقافة العالمية (الأميركية) التي لا تعترف لا بالحدود ولا بالقيم ولا بالآخر. فالأمر يتطلب وضع استراتيجية واضحة المعالم للتعامل مع الإرهاب ومع العولمة ومع محاورة الآخر.
فحوار الحضارات أصبح السبيل الوحيد للتفاهم مع الآخر ولفتح قنوات سليمة وصحية لمواجهة الدعاية والتشويه والتضليل. التحدي الأكبر الذي يواجه الدول العربية في مجال الإعلام هو تحرير هذا الإعلام وتحرير الطاقات والمهارات والإبداعات. التحدي يتمثل في الاستغلال الأمثل للقدرات والطاقات والإمكانيات المادية والبشرية لإرساء قواعد ومستلزمات صناعة إعلامية متطورة رشيدة وفعالة وقوية تستطيع أن تنافس وأن تقنع وأن تسوّق الأفكار والقيم والأصالة والهوية العربية للآخرين،
كل هذه الأمور تتطلب الدراسة والبحث وإقامة علاقة متينة وتفاعل وتبادل وحوار صريح بين السلطة والمؤسسة الإعلامية والقائم بالاتصال والجمهور من أجل إرساء قواعد الثقة والمصداقية والفعالية في الأداء. فالأمر إذن يتطلب الممارسة الديمقراطية وحرية الفعل والرأي والتفكير والتعبير وإعطاء الاعتبار للإنسان العربي حتى يستغل طاقاته وإمكانياته خدمة لنفسه ووطنه.
التحديات إذن كبيرة وتحتاج إلى أكثر من ندوات واجتماعات، الموضوع بحاجة إلى تنظيم البيت من الداخل ثم تكثيف الجهود وتشجيع الأعمال المشتركة بين الدول العربية. التحديات تتطلب الإنتاج وإعطاء البديل وتأكيد الهوية والذات وهذه الأمور لا تتحقق إلا بتحرير الفرد واعتماد وتبني البحث العلمي والدراسات المنهجية وتوفير الإمكانيات المادية والبشرية والميزانيات المعتبرة.
معركة القرن الحادي والعشرون ستكون معركة إعلامية اتصالية معلوماتية يحسم نتيجتها مسبقا من يعرف كيف يستغل تكنولوجيا الإعلام والاتصال وصناعة المعرفة. فالأمة العربية من الخليج إلى المحيط بحاجة إلى تحرير إعلامها وبحاجة إلى مواجهة النقد والاستقصاء والكشف عن العيوب والنقائص ومختلف التجاوزات، والكشف عن الأخطاء والتعلم منها.
الإعلام الحر والديمقراطي والفعال هو بارومتر تقدم الشعوب وتطورها، وبدون إعلام حر فلا فائدة من الكلام عن مخاطبة الآخر ومواجهة الحملات الدعائية والصور النمطية ومختلف الصناعات الثقافية التي تنال من كرامة الأمة وشرفها. ومن دون نظام سياسي ديمقراطي يؤمن بحرية الفرد وحرية الفكر والنقد ويوفر له مستلزمات الممارسة السياسية الديمقراطية فإنه لا جدوى ولا فائدة من البكاء على الأطلال.
كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة