قبل عدة أيام كانت تنتصب لوحة على شارع 208 الفاصل بين القرين والقصور، والموصل إلى طريق خادم الحرمين الشريفين السريع. كانت اللوحة تحمل صورة المرجع الكبير آية الله السيستاني ـ حفظه الله ـ وتلخص فتوى أصدرها بتحريم شراء الأصوات في الانتخابات.

ومن المعلوم أن فتاوى المراجع إنما تأتي في غالب الأحيان كأجوبة لأسئلة مقلديهم. وكثيراً ما كان للعلماء والفقهاء فتاوى بخصوص ما يجري في الكويت من واقع تلك الإجابات، كما الحال مع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ حول مسائل كثيرة شغلت الرأي العام الكويتي كالاختلاط على سبيل المثال وليس الحصر.

ولا نبالغ إن قلنا إن قضية المال السياسي أصبحت على كل لسان، وحديثاً لجميع المنتديات، وواحدة من محاور الحملة الانتخابية. الأمر الذي يضع ضغوطات كبيرة على الحكومة للتحرك الجدي في إيجاد حل لهذا الداء المستشري. وقد دفع ذلك وزير الداخلية والدفاع الشيخ جابر المبارك إلى التصريح «بأن من يتاجر ببيع الأصوات الانتخابية سنعامله كمن يتاجر بالمخدرات، لأن الاثنين يضران بمصلحة البلاد... وان رجال المباحث سيكافأون إذا ما ضبطوا أي عملية من هذا النوع». (القبس 12/6)

ولا أظن أحداً سيصدق الحكومة في دعواها، فالكويتيون قد اقتنعوا بالمثل المصري الذي يقول: «اسمع كلامك أصدقك وأشوف أمورك أستعجب». فلو أرادت الحكومة حقاً أن تضع حداً لشراء الأصوات بمختلف صوره لاستطاعت أن توقع بهؤلاء كما توقع بتجار المخدرات مثلاً، والشيء ذاته ينطبق على الانتخابات الفرعية المجرمة قانوناً، فصحيح أن النيابة استدعت مجموعة من المنظمين والمشاركين بها، لكن لا أحد يعتقد أن الحكومة ستطبق العقوبات التي ينص عليها القانون.

وإلى جانب قضية المال السياسي فإن الحملة الانتخابية الحالية تركز على موضوعات متعددة كلها ترتكز على الإصلاح السياسي من قبيل تقليص الدوائر الانتخابية إلى خمس، ومحاربة الفساد الضارب اطنابه في الجهاز الحكومي فضلاً عن التركيز على نقد بعض الوزراء الذين تسميهم الندوات الانتخابية «بوزراء التأزيم».

ولعل مطلب تقليص الدوائر الانتخابية يأتي كواحد من أهم مطالب هذه الحملة علماً بأنه كان السبب وراء الأزمة التي عصفت بالمجلس السابق. وبالطبع، فإن التقسيمة الحالية بها مثالب كثيرة ربما يكون أبرزها صغر حجم الدائرة الذي يتيح التحكم في نتائج الانتخابات بنقل الأصوات وشرائها.

والحق أن تحقيق الإصلاح المنشود يعتمد اعتماداً أساسياً على نوعية المجلس القادم وتركيبته، ولا أحد إلى الآن يستطيع التكهن بذلك. بيد أنه من الملاحظ تبني السواد الأعظم من المرشحين لخطاب «النواب التسعة والعشرين» الذين نادوا بالخمس والعشرين دائرة، حتى أولئك الذين لا يؤمنون بذلك فهم إما إنهم يجارون التيار العام أو يطرحون وجوب تعديل الدوائر ربما إلى دائرة واحدة.

وقد يكون ذلك مؤشراً على نزعة الشارع الكويتي نحو الإصلاح، بالذات إصلاح الدوائر الانتخابية الذي بات مطلباً ملحاً من الجميع. وربما لا تكون مؤهلات المرشحين والمرشحات الأربعمئة الذين سيختار الشعب الكويتي خمسين منهم مؤشراً على مواقفهم تحت قبة المجلس، إلا انه من المفيد بيان ذلك. إذ إن بينهم 72 من حملة الدكتوراه والماجستير، و198 من أصحاب الشهادات الجامعية، و73 من مستوى الثانوية العامة، فضلاً عن 44 مرشحا ومرشحة من الحاصلين على الشهادة المتوسطة. أما أعجب العجائب فهو وجود ثمانية مرشحين دون مؤهلات بالمطلق!!

ورغم أن عدد الناخبين في هذه الانتخابات قد قفز قفزة كبيرة من 136715 ناخباً في العام 2003 إلى 333793 ناخباً وناخبة، أي من ربع الشعب الكويتي إلى ثلثه تقريباً، فإن هذا لا يعني أن كل هؤلاء سيمارسون حقهم فعلياً، أي أنهم سيذهبون إلى مراكز الاقتراع في التاسع والعشرين من هذا الشهر ويدلون بأصواتهم. بيد أن نسب الاقتراع في الانتخابات السابقة هي من النسب العالية بالمقاييس الدولية والتي تتجاوز بعض الأحيان الثمانين بالمئة.

والمرأة هي «ملح» هذه الانتخابات ـ على حد تعبير إحدى الصحف ـ وصوتها سيكون المرجح بل المنجح، إذ ان مجموع عدد الناخبات يفوق مجموع عدد الناخبين، فعددهن 194614 ناخبة مقابل 139179 ناخبا أي أكثر من 58%. لذلك نجد حماسة منقطعة النظير لكل المرشحين وبالطبع المرشحات لخطب ود المرأة. والحق أن الندوات الانتخابية أصبحت تشمل الرجال والنساء بعد أن كانت في السنوات السابقة تقتصر على الرجال. وهذا شيء ايجابي بحد ذاته، حيث إنه يزيد من وعي المرأة من ناحية، ومن ناحية أخرى يكسر حاجز الفصل بين الجنسين.

الكل يعمل بأقصى طاقته بظروف غير مواتية وفي فترة إعداد قصيرة بالذات للمرشحات اللاتي فوجئن بمرسوم الحل، واللاتي كن قد أعددن أنفسهن لتكون الانتخابات في العام القادم وبالتالي كان سيكون عندهن فسحة من الوقت للتحضير لها بشكل مناسب وكاف، بيد أن الرياح جاءت لهن ولغيرهن بما لا تشتهي السفن. على العموم سيكون يوم التاسع والعشرين من هذا الشهر يوماً مهماً في تاريخ الكويت إذ انه سيرسم ملامح المرحلة القادمة.

كاتب كويتي

Alyusefi@hotmail.com