يتفق كل من بول كيندي وهنري كيسنجر، على أن تاريخ المملكة المتحدة ما هو إلا تاريخ التحالفات والتحالفات المضادة في العلاقات الدولية. حيث لم تكن فكرة التحالف البريطاني ـ الأميركي مجرد سياسة لإدارة العلاقات الدولية التي ربطت دولة ذات كفاءة وتاريخ عريق والقوى الدولية الأخرى فحسب بل إن الفكرة جاءت نتاجا لتفاعل جملة من المتغيرات التي فرضت إتباع هذه السياسة ـ التحالف الدولي ـ من جهة، بل ودفعت في احيان إلى إن تكون هذه السياسة أمراً واقعا تفرضه الظروف الدولية من جهة أخرى.

ومن ابرز تلك المتغيرات التي أثرت في بلورة فكرة التحالف مع الولايات المتحدة في السياسة الخارجية البريطانية الآتي:

المتغيرات التاريخية:

المرحلة الأولى البناء الصعب لنظام التحالفات: لقد أسهمت المملكة المتحدة في القرون الأولى من نشأة الإمبراطورية في بناء أسس العلاقات التي سوف تحكم وتتحكم في الفاعلين الأوروبيين حتى يومنا هذا.هذه العملية لا يعرف تحديدا متى بدأت فالبعض من أمثال (اندرو سكوت) يرى بأنها تعود إلى مرحلة الحروب الصليبية.

أما فيرغسون فيرى أن عملية بناء التحالفات التي قادتها المملكة المتحدة فيما بعد قد بدأت مع بداية ظهور الحركات الاستعمارية الأوروبية، حيث تحولت المملكة المتحدة إلى عملية بناء شبكة من الأحلاف والأحلاف المضادة داخل أوروبا.

ويرى بول كيندي أن عملية البناء البريطاني لعلاقات التحالف والتحالف المضاد قد بدأت عندما بدا أن جميع أقطاب الحضارة العظمى في العالم آنذاك قد تقدمت بنفس الدرجة تقريباً من التطور، وبالتالي فإن تلك الآراء السابقة مثلت الكيفية التي استخدمت لبناء علاقات التحالف الأوروبية بقيادة المملكة المتحدة.

المرحلة الثانية ـ حامل الميزان:

لقد ظلت فكرة التحالف البريطانية تقوم على أساس سياسة حامل الميزان حيث كانت تلقي بثقلها إلى جانب القوى الأوروبية الأضعف لكي تعيد التوازن إلى علاقات القوة الأوروبية دون أن ترتبط بتحالف أو بتكتل معين بصورة دائمة. هذا الدور استمر إلى منتصف القرن العشرين حيث لم تعد قدرات بريطانيا تؤهلها لأداء مثل هذا الدور الذي اخذ يزداد صعوبة أمام النمو المتزايد لقوة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (السابق).

المتغير الجيو ستراتيجي:

هذا المتغير يعني أن الأساس الذي استندت عليه بريطانيا في إقامة نظام التحالفات الأوروبي في القرن الثامن عشر كان عبارة عن العلاقات المتبادلة التي تربط المال والجغرافيا وتأثيراتهما في تقوية الحلفاء وتوحيد مصالحهم . وفي هذا السياق يرى بول كيندي أن تحالفات مرحلة ما بعد القرن الثامن عشر والحرب العالمية الأولى اعتمدت على القوة المالية، التي كان النصر يتحدد على وفقها .

وحتى بعد أن تلاشت الإمبراطورية البريطانية وبعد أن أصبحت الجغرافيا قدرا بالإمكان التحكم فيه عبر التكنولوجيا الحديثة المتطورة فإن موقع بريطانيا لعب دورا استراتيجيا. فبعد أن خرجت منهكة من الحرب العالمية الثانية أدى هذا الموقع المنعزل دورا هاما في التقليل من ضغوطات دول الجوار المثقلة هي الأخرى ومن مشكلات وتسويات ما بعد الحرب وتهديدات العملاق القاري في الشرق الاتحاد السوفييتي السابق.

إن الجغرافيا لا تزال تؤدي دورا في الفكر الاستراتيجي البريطاني حيث إن موقعها الجغرافي دعم كعنصر مضاف عدم ضرورة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتحمل التزامات الآخرين التي قد تتناقض مع التزامات بريطانيا الآنية والمستقبلية وفي الوقت ذاته عدم قدرة أوروبا الموحدة على تجاهل ضرورة وجود بريطانيا في الاستراتيجيات وفي تحالفات أوروبا الإقليمية والقارية.

وإذا كانت متغيرات الماضي قد فرضت شكلا معينا لسياسة التحالف البريطانية فان هواجس المستقبل المتفاعلة معها قد فرضت شكلا آخر يبدو أكثر عرضة للمخاطر والمجازفة إلا وهو التحالف البريطاني مع الولايات المتحدة فكيف تطور هذا التحالف.

فترة الإمبراطورية البريطانية:

لم تكن كل من بريطانيا أو الولايات المتحدة مهتمة بفكرة التحالف المشترك في أوائل القرن التاسع عشر فالولايات المتحدة لم تعمد إلى التدخل في التحالف الأوروبي ضد فرنسا رغم قدرتها على المناورة بين فرنسا وبريطانيا .وذلك بسبب مبدأ مونرو 1823 وسياسة العزلة الأميركية التي اعتبرت صمام الأمان للمحافظة على استقلاليتها واستقرارها.من جهة ثانية لم تكن راغبة لأي من الطرفين أن يحقق النصر. أما بالنسبة لبريطانيا فلقد كانت تعيش مرحلة أوج الإمبراطورية وبالتالي فإنها كانت لا تميل إلى التحالف مع القوى الناشئة التي كانت هي سبب إيجادها في العالم حسب الاعتقاد البريطاني.

قادت مجموعة من العوامل الولايات المتحدة إلى كسر هذه العزلة. من أهمها الانهيار التدرجي للنظام العالمي الذي تركز في أوروبا والذي بدوره شكل اكبر تهديد للسلام في العالم وهذا بدوره يعني تهديد ثورة النمو الاقتصادي والسياسي والاجتماعي التي بدأت ملامحها في الولايات المتحدة التي تحتاج إلى مناخ من السلم والاستقرار الدولي سبيلا مهما لترسيخ أسس هذا النمو الصاعد.

وبالمقابل فإن بريطانيا أحست أن قوتها الإمبراطورية أصبحت في موقع تهديد نتيجة اختلال السلام في أوروبا. وفي ضوء حاجة كل من القوة العظمى (بريطانيا) والقوة الناشئة الصاعدة (الولايات المتحدة) للسلام وان كان لأغراض مختلفة تم وضع حجر الأساس لعلاقة تحالف وطيد ربطت بين الدولتين فيما بعد . وقد بدا آنذاك أن بريطانيا هي أكثر الدول الأوروبية تأييداً للولايات المتحدة إدراكا منها ان الأخيرة قادرة على تحقيق السلام في أوروبا الذي سيمهد لها طرق الاستقرار في مستعمراتها.

وهكذا بدأ التحالف بين القوتين مبنياً على أساس فكرة السلام بنوايا مختلفة ولكن بأسلوب وغايات متقاربة أدت إلى ربط الدولتين بسلسلة من الاتفاقيات بدءاً من مؤتمر الصلح في باريس 1919 الذي انبثقت عنه فيما بعد (عصبة الأمم) التي وضعت الأسس لحفظ السلام والأمن الدولي. وهي الأسس التي سهلت على الولايات المتحدة الاستمرار في الصعود الدولي وساعدت بريطانيا على الحفاظ على مكانتها الإمبراطورية ولو لبرهة من الزمن.

مرحلة أفول الإمبراطورية البريطانية:

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945 وما شهده العالم الرأسمالي تغيرات كبيرة كانت نتيجتها أفول نجم القوى العظمى السابقة (فرنسا ـ وايطاليا ـ وألمانيا). ولكن على الرغم من ذلك الأفول إلا أن الولايات المتحدة استمرت في اعتبار بريطانيا دولة ناضجة ذات غاية ثابتة ،هي الحفاظ على الترتيبات القائمة أو في اقل تقدير ضمان بقاء تلك تغيرات بالإطار الذي يحافظ على توازن القوى القائم وخاصة بعد تلك التغيرات المتسارعة التي شهدها العالم إبان صراع القطبين.

ونرى ضرورة تصحيح الرأي الذي يعتبر أن الولايات المتحدة عندما استمرت في تحالفها مع بريطانيا قدمت تنازلاً ضرورياً للحفاظ على الأمن الأوروبي في مرحلة الحرب الباردة. فالواقع يؤكد أن القوة البريطانية حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والأزمات الاقتصادية التي مرت بها ظلت تتمتع بالمزايا الآتية:

1ـ إن الجيش البريطاني اثبت قدرة عالية لخوض صراعات قارية كبيرة.

2ـ إن بريطانيا وحتى العقدين الأولين للحرب الباردة استمرت دولة ثرية في الداخل والخارج .ويعلل بول كندي هذا الأمر بالقول إن المرونة العالية التي يتمتع بها الاقتصاد البريطاني سمحت لها أن تتجاوز أزمتها الخانقة بعد الحرب العالمية الثانية .

3ـ إن بريطانيا استمرت تمثل قوة سياسية مهمة في العالم الرأسمالي ساعد على ذلك أنها لم تتعرض للغزو الخارجي كما تعرضت له باقي دول أوروبا . كما أنها ظلت محافظة على تفوقها البحري في مياهها الإقليمية مما أسهم في صيانة التوازن الأوروبي.

4ـ في الوقت الذي شهدت أوروبا فيه ظاهرة تشتت الرأي العام حيال القادة والزعماء الكبار راح الرأي العام البريطاني إلى الوقوف خلف تشرشل إدراكا منه لقدرته على إخراج بريطانيا من أزمتها في المرحلة المباشرة لانتهاء الحرب العالمية الثانية

فالتحالف مع بريطانيا بالنسبة للولايات المتحدة إبان فترة الحرب الباردة إنما هو ضرورة استراتيجية .

وبالمقابل فان الولايات المتحدة وبعد خروجها منتصرة من الصراع مع الاتحاد السوفييتي السابق بعد انتهاء الحرب الباردة، بدت وكأنها عملاق عسكري ضخم يتوافر على استعداد لاستخدام قوته العسكرية . ولكن مع ذلك نجحت بريطانيا في إقامة تحالف عميق متميز مع الولايات المتحدة يكاد لا يوجد مثيل له في تاريخ العلاقات الدولية، سواء من حيث امتداده الزماني أو عمقه الفكري ـ السياسي والعسكري والاقتصادي.

هذا النجاح بدأ منذ مطلع الثمانينات حيث وصفت العلاقات بين الدولتين بأنها (العلاقات الخاصة). قاد تلك العلاقات كل من الرئيس الأميركي رونالد ريغان ومارغريت تاتشر بنجاح تام. هذا الانسياق يمكن إرجاعه إلى سبب أساسي مفاده الرغبة في فاعلية دولية يتيحها التحالف مع الولايات المتحدة في الأهداف والمصالح الدولية.

هذه المصالح تعني أن تسهم بريطانيا مع الولايات المتحدة في ضمان الهيمنة والانفراد الدولي عبر مشاركتها والتحالف معها في القضايا الدولية الاستراتيجية كما حصل في قضايا الحرب ضد العراق2003 ،وكذلك الموقف مما يسمى (الإرهاب الدولي) والمشاركة مع القوات الأميركية في الحرب ضد أفغانستان مطلع عام 2002. بالمقابل تحقق بريطانيا من خلال هذا التحالف هدفها في تعزيز دورها الدولي الذي تعيقه قدرات ذاتية أضحت تمر بحالة من الضعف والتدهور مقارنة بالقوى الأوروبية أو الآسيوية الصاعدة.

كاتبة عراقية