الإشارات المتوالية من العراق، تبوح بما يفيد أن حالة جديدة ربما تكون قد دخلت طور التبلور؛ فوق ساحته. جديدة بالمعنى النوعي، الذي يحمل على عدم استبعاد انفراجات واعدة؛ بالرغم من العتمة الدامسة التي تلف الوضع العراقي الراهن. عناصر هذه الحالة تتجمع وبسرعة. قوى عراقية وازنة ومختلفة، تتحدث عنها بنبرة تفاؤل غير مألوفة. تبشر بـ «سلام» قريب؛ في هذا البلد المعذب النازف.

وما يسمح بالنظر إلى المطروح حالياً، من هذا المنظار؛ هو أنه أكثر من مجرد خطاب. ولو أنه لا يزال أقل من واقع، على الأرض. يعزز تصنيفه هذا، أنه أيضاً يأتي في ظل معطيات وظروف غير مسبوقة. وبدأ يحظى بالتفاف متزايد حوله. أو على الأقل لم تثر اعتراضات قوية ضده.

رئيس الحكومة العراقية، السيد نوري المالكي، طرح مبادرة «للمصالحة الوطنية». بموجبها دعا إلى الحوار مع أطراف مسلحة؛ تزمع العودة إلى العملية السياسية؛ مع الوعد «بمنحها العفو»، إن هي عادت؛ شرط «ألا تكون أياديها ملطخة بدماء عراقية».وفي ذات الوقت وضع خطة أمنية للعاصمة بغداد، موضع التنفيذ؛ حظيت بالاهتمام. قوات غزيرة نزلت إلى الشوارع وقامت بإجراءات أمنية مكثفة وصارمة.

الرسالة على ما يبدو، أرادها رئيس الحكومة أن تكون من شقين: سياسي، يقوم على الانفتاح بهدف الاحتواء والاستيعاب، تحت مظلة المشاركة؛ التي تعكسها تركيبة حكومته. والشق الثاني أمني، المراد به إشاعة الانطباع بالقدرة على التحرك السريع والفعال في هذا المجال الحيوي الذي يحتل مرتبة الأولوية عند المواطن العراقي العادي.

قد يقال إن مثل هذه المحاولات قد سبق تجريبها؛ من دون جدوى. رئيس الحكومة السابق أطلق حملة، السنة الماضية، لقطع دابر العنف. لكنها فشلت، الجامعة العربية استضافت مؤتمراً للمصالحة من دون نتيجة كذلك قام الرئيس الطالباني بإجراء اتصالات مع جماعات مسلحة، حسب ما كشف عنه قبل فترة؛ من غير أن تؤدي إلى نتيجة. صحيح. لكن ذلك حصل، في ظروف مختلفة.

اليوم، خلافاً للماضي، يجري هذا الحراك السياسي والأمني في ظل حكومة تشارك فيها كافة الأطراف. طرح المصالحة الآن مع الأطراف المسلحة وليس بين القيادات السياسية المتصارعة، فقط. ويجري ذلك في لحظة شهدت لحظة تزخيم أمني؛ بعد غياب الزرقاوي عن الساحة. كما يجري وسط أجواء «تتميز بالانفتاح المتزايد على الحوار؛ لدى كافة الفرقاء» على حد تعبير الرئيس العراقي؛ الذي أعرب عن اعتقاده،اول من أمس، عن «أن عام 2006 قد يكون عام التسوية السلمية في العراق». يلتقي معه نائب رئيس الوزراء، من القيادات السنية؛ الذي تحدث عن «صفقة سلام قريبة جداً».

طبعاً الواقع العراقي المعروف، يفرض التحفظ؛ في أحسن الأحوال. لكن في الوقت نفسه الحراك الراهن، بعناصره ومعطياته، غير مألوف ولغته غير معهودة. مع ذلك هو أمام الامتحان. خاصة الخطوة التالية التي وعد بها رئيس الوزراء: حل الميليشيات وسحب سلاحها.وإذا كانت التجربة وحدها تملك الإجابة، بخصوص هذه المبادرة والخطوات الجارية والموعودة؛ فإن المؤكد هو أنها تحتاج لحشد كافة الإمكانات والدعم اللازمين لوضعها موضع التنفيذ. فالبديل ما عاد العراق قادرا على الاستمرار معه.