لم تعد الزيارات النادرة للمسؤولين الأجانب للعراق مفاجئة رغم أنها توصف عادة بهذه الصفة، وآخرها كانت زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش التي لم يعلم بها حتى رئيس وزراء الدولة المضيفة سوى في الدقائق الست الأخيرة قبل وصول الضيف الأميركي.
فطريقة هذه الزيارة كانت مقبولة إلى حد ما في الأشهر الأولى للغزو، أما أن تكون بعد ثلاث سنوات وثلاثة أشهر مملوءة بالتصريحات التي ملأت الدنيا بحدوث تقدم على الصعيد الأمني في العراق، فهذا ما يدل فعلا على أن الإدارة الأميركية ضيعت حساباتها الخاصة بالملف العراقي، كيف والرئيس الأميركي يتحدث قبل أيام من أنه لا خروج من العراق قبل تحقيق الانتصار وبعدها بأيام قليلة يعلن أنه من المستحيل إنهاء العنف في العراق!
هذا يشبه تماما الحجج والمبررات المضطربة التي سيقت قبل غزو العراق، فمن أسلحة الدمار الشامل التي لم يعد أحد يذكرها إلى علاقة النظام العراقي السابق بالقاعدة ثم حرية العراق ومنها إلى تأصيل الديمقراطية ليتحول الأمر إلى محاربة القاعدة وإعلان العراق جبهة مركزية لمحاربة الإرهاب.
مجموعة من التناقضات تكشف غياب مخطط ما بعد إسقاط النظام السابق في برنامج إدارة بوش، وهو ما أدى بدوره إلى تخبط مريع تجلى في تراجع كل شيء باستثناء فاتورة الحرب التي لا تكف عن الارتفاع وبلغت 261 مليار دولار.
هل كان الرئيس بوش يتوقع عشية اتخاذه قرار الغزو أنه سيزور العراق بهذه الطريقة بعد ثلاث سنوات وثلاثة أشهر؟ لا أحد يعرف الجواب، ولكن مجرى الأمور لا ينبئ بأن هناك أملا قريبا في نهاية مأساة الشعب العراقي، فالرئيس الأميركي ظل يطلق تصريحات متفائلة حول القضاء على ثلاثة أرباع الإرهابيين، ولكن الوضع في العراق ظل مشتعلا، كما أن فضائح الجنود الأميركيين الذين جاؤوا للتحرير أصبحت متكررة وصاروا يتفننون لدرجة التغني بجرائم قتل المدنيين، أما عن الفساد الذي شاب برنامج إعادة إعمار العراق فتلك مأساة أخرى.
متى يتحدث الرئيس الأميركي بلغة العقل ويصف الواقع في العراق كما هو؟ ومتى يعترف بحجم الدمار الذي ألحقته إدارته بهذا البلد العربي؟ ثم هل تدرك الإدارة الأميركية معنى ارتفاع فاتورة الحرب على الإرهاب إلى 368 مليار دولار، حصة العراق منها 71% .
إذا لم تتوقف الإدارة الأميركية عن هروبها إلى الأمام وتنظر بحصافة إلى ما اقترفته في العراق، علها تصححه قبل فوات الأوان، فهناك أيضا الوضع المتوتر في أفغانستان والملف النووي الإيراني الذي فتحته، فإن كارثة ستطبع النظام العالمي، ومن المؤكد أن مداها سيتجاوز تأثير الحرب العالمية الثانية على العلاقات الدولية، ألم يعترف الجنرال جون أبي زيد قائد القيادة المركزية الأميركية بأن الانتصار في العراق يوازي أو يتجاوز الانتصار في الحرب العالمية الثانية؟