عادة ما يدعو القادة السياسيون إلى إجراء استفتاء شعبي لحسم قضية سياسية أو مصيرية ما ليقول الشعب كلمته النهائية بعد أن تكون الأحزاب السياسية في الحكومة والمعارضة قد اتفقت على الخطوط العريضة ولم يبق إلا أن يقرر الشعب مصير هذه القضية سلباً أو إيجابا، كما حصل مثلاً في بعض دول الاتحاد الأوروبي عندما أخذ رأي الشعب في قضية استبدال العملة الوطنية بالعملة الأوروبية اليورو، أو مثلاً بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
والأصل هنا أن يكون الاستفتاء للبت في قضية مهمة من قبل الشعب حتى ولو اتفق أو اختلف السياسيون من كل الأحزاب المختلفة حول هذه القضية. وأن يكون الشعب حراً ومستقلاً وليس جائعاً أو محاصراً أو محتلاً من قبل طرف أو أطراف أجنبية تسعى جاهدة لسلب حريته واستقلاله ولا تحترم قراراته الديمقراطية، والأهم أنها تسعى جاهدة لتنفيذ مشاريع استعمارية واستيطانية واقتلاعية كما هو الأمر في فلسطين المحتلة.
إن ما يجري في فلسطين الآن هو أمر مختلف تماماً عما يحصل في أي بقعة من بقاع الأرض. فالشعب الفلسطيني محاصراً إقليميا ودولياً ويعاني الفقر والحرمان ونسب عالية من البطالة في الوقت الذي لا يزال يعيش مرحلة تحرير وطني في ظل موازين قوى مختلة تماماً لصالح العدو الإسرائيلي.
لذلك فإن الحديث عن إجراء استفتاء تحت مسمى زوثيقة الأسريس في فلسطين لا نقول إنها غير قانونية أو غير شرعية أو حتى غير واقعية في مثل هذه الظروف، ولكننا نستطيع أن نقول إنها غير مناسبة تحديداً في هذا الوقت لا سيما وأن المحتل الإسرائيلي لا يزال على عدم اعترافه بالحقوق الوطنية الفلسطينية
ووجود شريك فلسطيني لمحادثات السلام ولا يعترف بالقرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية ولا يعترف بالمبادرة العربية للسلام ولا يعترف حتى بخطة خارطة الطريق الدولية التي تحفظت إسرائيل على 14 بنداً من بنودها وبالتالي اعترفت فقط بالبنود التي لها علاقة بالأمن الإسرائيلي وبالوجودية الأبدية لدولة إسرائيل.
إذن المسألة هي ليست في إجراء استفتاء لمعرفة ما إذا كان الشعب الفلسطيني يصوت لصالح السلام وتطبيق القرارات الدولية والمساهمة في نشر الأمن والسلام لكل شعوب المنطقة بدون استثناء، لأن هذا الأمر تم البت فيه منذ عام 1988 عندما أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية قبولها بالقرارات الدولية واعترفت بحق إسرائيل في الوجود على 78% من أرض فلسطين التاريخية واختارت إلى جانب الدول العربية طريق السلام كخيار استراتيجي، وقد أيدها غالبية الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
وحتى حركة حماس التي فازت بالانتخابات التشريعية الأخيرة وشكلت الحكومة الفلسطينية الحالية قبلت بهدنة طويلة لوقف العنف مع الجانب الإسرائيلي طبقاً لاتفاق القاهرة مع باقي الفصائل الوطنية والإسلامية الفلسطينية الأخرى وأعلنت أنها لا تعارض مبدأ التفاوض السياسي مع إسرائيل من قبل منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية والرئيس الفلسطيني محمود عباس وأنها مستعدة لقبول سلام مع إسرئيل بشرط أن توافق الأخيرة على الانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما فيها القدس وقبول إسرائيل بعودة اللاجئين الفلسطينيين.
إذن من حيث الشكل والمبدأ والمضمون لا توجد مشكلة أساسية وجوهرية بين الفصائل الفلسطينية المختلفة سيما وأن الثوابت الفلسطينية التي حددتها أجندة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية ومبادرة السلام العربية والقرارات الدولية جميعها تصب في ذات الحل الرامي لإنهاء الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. وبالتالي فإن المشكلة الجوهرية هي حقيقة ليست بين المواقف السياسية للفصائل الفلسطينية ولكن في المواقف المتباعدة جداً سياسياً وإيديولوجياً بين إسرائيل من جهة والشعب الفلسطيني بمختلف أطيافه السياسية من جهة أخرى.
وعلى هذا الأساس يكون الاستفتاء ضروري بل مقدس في مرحلة لاحقة عندما يتوصل الطرف الفلسطيني إلى اتفاق مع الطرف الإسرائيلي حول مختلف القضايا الجوهرية المتعلقة بالحل النهائي للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وليس قبل ذلك. أما في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ القضية الفلسطينية فإنه أكثر ما يحتاج إليه الشعب الفلسطيني هو حوار جاد
وبناء حول القضايا الخلافية بين الفصائل الفلسطينية على أساس النوايا الحسنة والسعي المشترك لبناء برنامج عمل سياسي وطني يوحد الجميع ويمنع الخطر الذي طالما عمل من أجله أعداء فلسطين، ألا وهو الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني، وهو الهدف الأسمى الذي سيحقق الأهداف الإسرائيلية الإستراتيجية المعلنة وآلياتها تكمن في خطة الحل الآحادي الجانب.
كما أن إجراء استفتاء في مرحلة لاحقة يجب أن لا يقتصر على الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بل يجب أن يشمل الشعب الفلسطيني في جميع المنافي لأن هذا الجزء من الشعب الفلسطيني هو الذي حرم حتى الآن من قول كلمته تجاه كل القضايا السياسية في حين أنه كان ولا يزال يشكل الغالبية العظمى عدداً وأنه هو الذي أعطى ويعطي منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد شرعيتها وتمثيلها، وبالتالي لا يجب أن يستثنى من أي استفتاء سواء كان هذا الاستفتاء في هذه المرحلة أو في أي مرحلة لاحقة.
إن الحملة الحربية الإحتلالية الشاملة ضد الشعب الفلسطيني وفي ظل جحيم الاغتيالات والمجازر الصهيونية المفتوحة والدعم الخارجي اللامحدود هي عوامل أساسية ومصيرية من شأنها أن تقود إلى تشكيل جبهات واسعة عريضة ووحدة وطنية متماسكة واعتماد لغة الحوار والتفاهم والوفاق والتوافق الوطني كلغة وحيدة لحل الصراعات والخلافات المحتدمة، لأنه ليس وارداً في استراتيجيات إسرائيل لا تكتيكياً ولا استراتيجياً أي اعتبار أو احترام أو ندية لا مع السلطة ولا مع الحكومة.
وهذا يفترض من جميع الفصائل الفلسطينية وخاصة تلك التي جربت المفاوضات مع إسرائيل وجربت الوعود الأميركية الواهية ووصلت دائماً إلى طريق مسدود أن لا تضغط كثيراً على الفصائل التي لا تزال تمتنع عن تقديم اعتراف مجاني بالكيان الإسرائيلي قبل التأكد من أن إسرائيل نضجت سياسياً وأصبحت راغبة ومستعدة للاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. وإلا فإن أي تنازل فلسطيني في هذه المرحلة سيقدم مجاناً وبدون مقابل.
إن الحركة الوطنية الفلسطينية هي الأطول والأهم والأوسع خبرة ودراية في تاريخ المنطقة والقيادات التاريخية الفلسطينية لكل الفصائل كبيرة مخضرمة مجربة وهي الأكثر والأعمق تجارب وخبرة من غيرها.. ولذلك لا نتمنى أن نراها تنجرف وراء التجاذبات والصراعات التي من شأنها إن استمرت أن تودي بالجميع إلى التدمير الذاتي بدلاً من التفاهم والوفاق الوطني.
وللقضاء على أي احتمالية مرعبة في المستقبل الحالي والبعيد لا سيما وأن الصراع مع إسرائيل سيمتد طويلاً ويتحتم على جميع القوى والفصائل الفلسطينية تأجيل صراعاتها ومواجهة ملذات السلطة والمواقع والمصالح الفئوية لأن ما ينتظر القضية والشعب الفلسطينيين من العدو الإسرائيلي هو أكبر وأعظم من أن يقدر عليه فصيل واحد مهما كبر أو صغر.
بناء على ما تقدم فإن أي اقتتال فلسطيني - فلسطيني سيكون بمثابة نكبة ثالثة تضرب بعمق الحركة الوطنية الفلسطينية وتزيد من الانقسام والتشتت والتفكيك الذي تعرض ويتعرض له المجتمع الفلسطيني في ظل غياب مشروع سياسي موحد، في وقت يسعى المشروع السياسي الوحيد المطروح حالياً وهو مشروع أولمرت لنهب معظم مساحة الأراضي الفلسطينية وتثبيت الكتل الاستيطانية السبع الكبرى وتهويد القدس وشطب قضية اللاجئين.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com
