في النصف الأول من خمسينات القرن الماضي شهدت البحرين بقيادة هيئة الاتحاد الوطني وعدن بقيادة جبهة الأحزاب الوطنية والتقدمية نهوضا جماهيريا واسعا من أجل التحرر والديمقراطية والتقدم الاجتماعي. ورغم تخلف وسائل الاتصال والإعلام وبطء انتقال المعلومة إلا أن التفاعل كان كبيرا. وقد عبر عن هذا التفاعل في حينه مقال كتبه قائد حزب اتحاد الشعب اليمني الفقيد عبد الله باذيب بعنوان «هنا.. وفي البحرين».
حقق أهل عدن مطلب المجلس التشريعي المنتخب، فرفع البحرينيون ذات المطلب بإصرار. وعندما كانت الجماهير البحرينية تحتشد في مسجد الفاضل أو مأتم السنابس في تعبير رائع عن الوحدة الوطنية صفا وهدفا، تردد جبال عدن الصخرية في كريتر والتواهي أصداء خطابات الباكر وبدرية خلفان وغيرهما. يتحرك عمال «الدكة» في المعلا فيتداول أخبارهم عمال البحرين الذين جمعوا أكثر من 14 ألف توقيع لتشكيل اتحادهم.
وفي منتصف السبعينات، وإبان تصاعد الحركة الديمقراطية والعمل البرلماني في الكويت والبحرين، نشهد مثل ذلك التفاعل بين هذين البلدين. كان النواب الديمقراطيون من البلدين يتزاورون، يتشاورون حول القضايا التي تهم الشعبين الشقيقين والمنطقة. نهل البحرينيون من خبرة رفاقهم الكويتيين الأسبق في العمل البرلماني.
وبلغ الخيال بالصحافة حد وصف الشبه بين «كتلة الشعب» البحرينية والنواب الديمقراطيين الكويتيين تماما كالشبه بين النائبين الكويتي الدكتور أحمد الخطيب والبحريني الأستاذ علي ربيعة في شكلهما الخارجي ولون بشرتهما وروحهما الكفاحية العالية. وخارج البرلمان تبادلت كل القطاعات الجماهيرية تجاربها في العمل الوطني فازدهر نشاطها هنا وهناك. وكانت الصحف الكويتية تتابع بدقة ما يجري في أروقة المجلس الوطني والشارع البحريني.
وكان من نصيب البلدين أيضا أن جرى حل البرلمانين البحريني والكويتي في العامين 1975 و1976 على التوالي بعد دخول المنطقة حقبة «فوائض» المال على إثر ارتفاع أسعار النفط لأربعة أضعاف. حلت الرشوة الاجتماعية الكبرى محل الإصلاحات السياسية،
وأمكن عن طريق المال تدوير الزوايا الحادة في المشاكل الاقتصادية الاجتماعية المختلفة. وفي المقابل نشطت الدعوات الوطنية إلى العودة للعمل بالدستور، بما في ذلك توقيع عشرات آلاف المواطنين على عريضة شعبية في الكويت في النصف الثاني من الثمانينات، وبوحي منها حرك الديمقراطيون البحرينيون عريضة شعبية في النصف الأول من التسعينات.
اليوم نشهد مرحلة شبيهة. لقد تضاعفت، وبمرات أكثر، أسعار النفط مجددا. ومعها بدأ التراخي، بل والتراجع يدب في عمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي التي تشهدها المنطقة منذ سنوات في مقابل تحسن بعض جوانب الحياة المادية. وعلى إثر حل مجلس الأمة الكويتي في الشهر الماضي بسبب الخلاف حول مسألة الدوائر الانتخابية التي سعى عموم الكويتيين لتقليصها إلى 5 بدلا من 25، تنشط الآن في الكويت حملات إعلامية لانتخابات مجلس الأمة التي ستجري نهاية الشهر المقبل. وإذا كانت مشكلة الدوائر الانتخابية في الكويت سببا لحل مجلس الأمة،
فقد كانت في البحرين سببا لمقاطعة «التحالف الرباعي» انتخابات 2002 البرلمانية. ومع أن قوى «التحالف» ستشارك هذه المرة، إلا أن مسألة الدوائر أصبحت أكثر غموضا. إذن، فهنا وهناك يحتدم النضال من أجل دوائر انتخابية أصدق تمثيلا وبعيدة عن النزعات الطائفية أو القبلية.
الجميع هنا وهناك يتحدث عن أهمية اجتثاث الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة ويهدر المال العام. ويدعو إلى ذلك كبار المسؤولين أيضا. لكن السؤال المبدئي لدى الناخب هو من الذي سيدير محاربة الفساد لكي لا يختزل الأمر في مجرد إعادة اقتسام النفوذ والملكية فيما بين أقطاب الفساد أنفسهم.
وكما أجمعت القوى السياسية في الكويت على ضرورة حسم مسألة الدوائر في المجلس القادم، أجمعت أيضا على الحيلولة دون أن يلعب سلطان المال السياسي دورا مقررا في الانتخابات، ودون وصول المفسدين إلى البرلمان والحكومة القادمتين. وبينما يكثر الحديث عن ذلك في البحرين، إلا أن القوى السياسية لا تزال أبعد من أن توحد خطابها حول مثل هاتين المسألتين.
في الكويت ستنخرط المرأة في العملية الانتخابية كناخبة ومنتخبة لأول مرة. ومنذ الأيام الأولى للحملات الانتخابية رمت المرأة بثقل كبير في المعركة أجبر عددا من ممثلي قوى التخلف على التراجع وتغيير مسلكهم تجاهها. ولا شك أن ذلك سيشكل «عدوى» إيجابية للمرأة البحرينية التي شاركت في الانتخابات السابقة بنشاط، لكنها استخدمت حقها التصويتي في الغالب ضد وصول بنات جنسها إلى البرلمان بسبب تدني الوعي السياسي، خصوصا في مناطق هيمنة القوى الطائفية.
وفي الكويت تعمل القوى السياسية مجتمعة على عدم التضييق على المرأة المرشحة، بينما في البحرين لا تزال أكبر قوى الطائفية المذهبية لم تسم مرشحات عنها، ولم تعبر القوى مجتمعة عن برنامجها الصريح لتمكين المرأة للوصول إلى البرلمان.
في الكويت نشهد إشادة بالنواب ذوي الأداء الجيد في المجلس المنحل وإجماعا من القوى السياسية وقوى الشارع على دعمهم، وفي البحرين يشهد الجميع لنواب كتلة الوطنيين الديمقراطيين وآخرين غيرهم ببلائهم الحسن، لكنه بدلا من الدعوة إلى إعادة انتخابهم هناك من يدعو إلى معاقبتهم على موقفهم الذي ثبتت صحته بالدخول إلى البرلمان.
وأخيرا، في الكويت أجمعت القوى السياسية مع اختلاف معتقداتها الفكرية ورؤاها السياسية على التنسيق فيما بين ممثليها، وكذلك الوطنيون المستقلون، على توحيد الخطاب السياسي بالنسبة للمسائل الرئيسية وعلى تنسيق حملات نوابها التسعة والعشرين وعلى أدب المنافسة إن وجدت. وبذلك تراجعت النزعات الطائفية والقبلية أمام تحالف القوى السياسية والاجتماعية الأخرى على أساس سياسي شكل السمة الغالبة للحملات الانتخابية الكويتية.
أما في البحرين فلا يزال الحنين إلى الاصطفاف على أساس موقف المقاطعة ـ المشاركة والموقف من الدوائر الانتخابية يغذي الاصطفاف على قاعدة التمايز، بل والافتراق الطائفي بشكل عام، والذي تضيع في لجته قضايا الاقتصاد والسياسية والتطور الاجتماعي والتعاون الإقليمي وقضايا السلم والأمن في المنطقة.
في بداية هذا العام التأم شمل القوى السياسية البحرينية في مؤتمر الحوار الوطني الأول الذي وضع لبنات أولى للوحدة الوطنية ونبذ كل ما يناقضها من نعرات. واليوم تشتد الحاجة لانعقاد مثل هذا المؤتمر لكي تكتسب الحملة الانتخابية طابعها السياسي ابتداء من التعديلات الدستورية. وبين هذا وذاك تبقى الرافعة الأساسية للتحرك بروح العصر هي تقارب قوى التيار الوطني الديمقراطي بكل ألوان طيفه السياسي الاجتماعي.
كاتب بحريني
ajnoaimi@gmail.com