يبدو أن حالة من التهيب أخذت ترخي بظلالها على المسرح الفلسطيني .والاشتباكات الأخيرة بين الأمن الوقائي «فتح» ـ وقوات «حماس»، وما كشفت عنه من مخزون تدميري في الساحة، فرضت الهرولة في البحث عن مخارج قبل فوات الأوان. هامش الوقت يضيق والاستدراك المتأخر، لانفع منه، تحت وطأة هذه الأجواء طرحت أفكار وخيارات من بينها «اقتراح» بتشكيل حكومة وحدة وطنية، على أساس انها الصيغة المطلوبة والقادرة على التصدي لمتطلبات المرحلة الراهنة والنهوض بها.

وبالتحديد مهمة وقف التدهور الداخلي القاتل والبدء بلملمة الوضع وترميمه. أطراف وشخصيات وطنية، كما قيل، دعت إلى هذا الخيار واقترحت ان تتولى «شخصية وطنية مستقلة» رئاسة مثل هذه الحكومة، على ان تختص هذه الأخيرة «في الشؤون الداخلية فقط».خيار «حكومة وحدة وطنية»، بصرف النظر عن التفاصيل والاختصاصات، ليس جديداً، من الأساس كان مطروحاً. بل كان مطلباً، باعتباره صمام الأمان لتركيبة الداخل المتنوعة، وعلاقاتها المضطربة. ك

ما باعتباره ضرورة لا غنى عنها لتمكين الداخل من الصمود بوجه الهجمة التصفوية، التي يتأهب لها «كاديما». المعاندة وحرب الشروط والشروط المضادة ـ وربما ذهنية الاستئثار من جهة والرغبة في الإحراج والإرباك من جهة ثانية ـ أطاحت بإمكانية ترجمة هذا الخيار. كلفة الإطاحة كانت كبيرة. الوضع وقف على شفير الانهيار. وكان من باب تحصيل الحاصل ان تنساق الأمور في هذا الاتجاه. الاحتقان يرتفع منسوبه. الفجوة ازدادت اتساعاً بين الفريقين. درجة الجفاء وتصفية الحسابات بلغت أقصاها.

حرب التراشق بقنابل الاتهامات والتخوين والإدانات، حكمها التعنيف المتواصل. بالنهاية تحوّل التراشق السياسي إلى تراشق بالرصاص والصواريخ والخطف واضرام النيران بالمواقع والمقرات الفلسطينية المتبادلة. ثم دخل الاستفتاء على الخط فصب الزيت على النار. وكان ما كان من وصول الصراع إلى الدرك الذي أثار حالة واسعة من الخيبة والذهول.

الآن تشهد الساحة لحظة التقاط أنفاس، ربما كان لتصعيد العدوان الإسرائيلي الذي يحصد عشرات المدنيين يومياً، الأثر في هدوء جبهة الاشتباكات، خلال الساعات الأخيرة. وهو بكل حال هدوء هش ولا وهم انه مؤقت. خلاله برز مخرج حكومة «الوحدة الوطنية» من جديد. ومعه ثمة فرصة، لا يجوز تفويتها.البدائل، كما كشفت التجربة، مآلها معروف. والساحة الفلسطينية ذاقت طعمها.. وهي لا تحتمل المزيد. إخراجها من عنق الزجاجة، بات مسألة وجود ومصير. وبذلك فهي لا تسمح بالتفريط.

إسرائيل تقوم بكل ما يعرقل ويخرب على ترجمة التقارب أو التفاهم على قواسم وطنية، يفرضها عبور هذا الممر وفي هذه اللحظة الحرجة والدقيقة، في تاريخ القضية الفلسطينية. بل في هذه اللحظة الفاصلة التي لا تحتمل الخطأ ولا الرجوع عنه ولا، بالتأكيد، الندم.اذا كان من المتعذر رد الآلة العسكرية الإسرائيلية عن ارتكاب الجرائم اليومية ضد الشعب الفلسطيني فعلى الأقل حماية هذا الأخير من نكبة على يد أهل بيته، وهذا أضعف الإيمان.