مازلنا متفائلين بهذه المرحلة من عمر بلادنا، ويزيد إيماننا يوماً بعد يوم بأنها ستكون مرحلة وضوح وشفافية، لا تكون الرؤية فيها ملتبسة على أحد، كل يعرف ما له وما عليه، وتتحدد ضوابط العمل والعطاء، وتتحدد مقاييس الأداء بحسب الانجازات، فهذا هو التوجه العام للدولة، وفي نفس الوقت هو السمة الغالبة في ظل نظام تقني وإداري لا ينفع معه اتباع أساليب بالية تجاوزتها كل الظروف.
ولذلك لا ننزعج كثيراً من محاولات بعض المسؤولين التعتيم على أوضاع إداراتهم، فهم يحاولون يائسين أن يغلفوا بالسرية ما يدور تحت سمعهم وبصرهم، ولا يريدون أن تصل الحقائق إلى الناس، ونراهم يلجأون إلى تحويل مؤسساتهم المدنية إلى ما يشبه الثكنات العسكرية، ويرفعون لافتات «ممنوع اقتراب الصحافيين» ظناً منهم أن مثل هذا الإجراء سيحقق لهم نشر ما يريدون ومنع ما يراد للناس أن يعرفوه، ونحن جميعا نعرف نوعية الأخبار والتقارير التي يريدها المسؤول ان تنشر، والعكس صحيح،
ومرجع ذلك إلى عدم ثقة المسؤول في نفسه، ربما لانه غير قادر على ضبط الأمور في إدارته، وربما لانه يعرف ان شيئا ما يدور هناك ولا يريد ان تفوح رائحته، خاصة اذا كان ذلك الشيء يدخل ضمن مسميات عدم الكفاءة وعدم الإخلاص وعدم الأمانة، والا فما الذي يجعل مكانا عاما مثل وزارة خدمية مرتبطة بكل الناس مباشرة ممنوعة على الصحافيين؟ ولماذا تنحصر العلاقة بين الصحافة والوزارة في مكتب إعلامي يضع قيودا ويحدد شروطا على الرسالة التي تؤديها الصحافة؟
قالوا قديما «إن السرية في أي عمل تعني ان هناك خروجا عن المألوف»، ونقولها اليوم، إن كل من يخاف من ظهور الحقيقة في الجهة التي يديرها وراءه نوايا غير سليمة، وليس لدينا غير هذا التفسير للتصرفات التي بدأت تعمم بين الوزارات والإدارات الرسمية،
وللأسف الشديد فإن من يقومون بهذه التصرفات ويصدرون قرارات عدم الشفافية واللاوضوح واللاحرية في استقاء المعلومات، للأسف، هم من الجيل الذي عولنا عليه كثيرا في إصلاح النظام الإداري، وفي تجاوز مرحلة الترهل، وفي القضاء على كل صور الفساد التي لا تخفى على أحد، وهذا سيؤدي دون ادنى شك إلى استفحال تلك المشاكل.
نريد ان يوجه سؤال إلى كل مسؤول اقفل الجهة التي يديرها في وجه الصحافيين، نريد ان نقول له مم أنت خائف؟ ونريد منه إجابة علنية، ويا حبذا لو يقبل واحد منهم بان يشارك في ندوة عامة ليبين وجهة نظره، فهو بالتأكيد لديه وجهة نظر، ومن حق الجميع ان يتعرفوا عليها حتى يزول الشك الذي دخل قلوبهم، والريبة التي أحدثتها قراراتهم بالتعتيم على حقائق ما يدور عندهم.