صرخات(هدى) من يسمعها، وهل تعوض كفالة هنية فقدان أسرتها التي تقطعت أشلاؤها أمام أعينها على شاطئ غزة، بعد أن امتزجت دماؤهم برمالها؟ مجزرة إسرائيلية جديدة، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة، راح ضحيتها سبعة من أسرة هدى بعد أن هربوا إلى الشاطئ علهم يجدوا فيه هواءً نقياً بعد ان تقطعت بهم سبل الحياة، ولكن من لم يمت بالسيف مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد.
عدسات العالم نقلت صرخات(هدى) التي ذكرتنا بجريمة قتل محمد الدرة، مع فارق بسيط هو ان العالم تعاطف مع الأخير، وصم أذنيه لما وقع ويقع كل يوم من إرهاب إسرائيلي منظم، ليس فقط على شاطئ غزة، ولكن في جميع المدن الفلسطينية. ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هو: لو كان الأمر عكسيا، وما حدث لهدى وقع لطفلة إسرائيلية، هل سترى واشنطن فيه دفاعا عن النفس؟
أم سيسرع سيد البيت الأبيض إلى إعلان شجبه واستنكاره لما حدث ومطالبة السلطة الفلسطينية بتقديم (الجناة) إلى العدالة؟ان الجريمة الإسرائيلية تقع بعد أيام قليلة من زيارة اولمرت لكل من القاهرة وعمان، وحديثه المزعوم عن السلام وعدم وجود شريك فلسطيني حقيقي.
وكعادة إسرائيل، تحاول باستمرار ربط كل لقاء لقادتها في بعض العواصم العربية بضربات موجعة للفلسطينيين والعرب، ولعل جريمة شاطئ غزة تعيد إلى الأذهان قصف الطائرات الحربية الإسرائيلية للمفاعل النووي العراقي بعد ساعات قليلة من زيارة مناحيم بيغن للإسكندرية واجتماعه مع الرئيس الراحل أنور السادات.
مأساة (هدى) أكبر من أن تكتب في سطور، لأنها ببساطة تجسد مأساة شعب يجاهد لنيل حريته واستقلاله، ويمضى بسفينته الصغيرة ضد أمواج عاتية وظلام دامس، لا يرى حوله الا قريبا تملك بعضا من أمره، وبعيدا يتجهمه، ومع هذا وذاك مازال ممسكا بالأمل ويرى شعاعا ولو خافتا في نهاية النفق.
إسرائيل لم تكتف بجريمتها على شاطئ غزة، بل راح رئيس حكومتها يسوقها للعالم ويتحدث عن (أخلاقية جيشه) ويدعى انه لم ينتهج أبدا سياسة المس بمواطنين فلسطينيين. أما الناطق باسمه، فقد ذهب أبعد من ذلك، حين قال (انه من الجائز ان يكون صاروخ فلسطيني قد سقط على الشاطئ وأدى إلى مقتل وجرح عشرات الفلسطينيين).
وإذا كانت إسرائيل ترتكب كل يوم المجازر بحق الشعب الفلسطيني ولا تحتاج إلى ذريعة أو مبرر، فان رد فعل معظم عواصمنا العربية على ما حدث لأسرة (هدى) جاء مخجلا، حيث لم يتعد الإدانة من بعضها والصمت المطبق من البعض الآخر، أما الموقف الأميركي فقد جاء سافرا في مجلس الأمن، حيث رأى في جريمة شاطئ غزة دفاعا عن النفس!
وبغض النظر عن المواقف العربية (الخجولة) والدولية (الضعيفة)، فان (آهات هدى وصرخاتها) لن يخفف منها، إلا وحدة الشعب الفلسطيني وصموده ومقاومته دفاعا عن حق كل طفل فلسطيني في حياة كريمة. وإذا كانت الصعاب تكشف معادن الرجال وتقوي عزيمتهم،
فان ما يمر به الشعب الفلسطيني من نكبات وما يشهده حاليا من حصار وتجويع، كفيل برص الصفوف وتفويت الفرصة على من يراهن على تمزيق وحدته. بهذا، وبهذا وحده ربما تتوقف (هدى) عن النحيب، وليكن الشعب الفلسطيني كله بوحدته وصموده ومقاومته هو الأسرة الكبيرة لها.
haniihanii@hotmail.com