ليست المرة الأولى أن تقدم اسرائيل على ارتكاب مذبحة في الاراضي الفلسطينية، كما انها ليست المرة الاولى التي تهدد فيها باغتيال قادة سياسيين من وزن رئيس الوزراء الفلسطيني فقد سبق ان فعلت الأمرين معا كثيرا.
لكن خطورة المذابح الاسرائيلية الحالية تأتي في ظروف يتقاتل فيها السياسيون الفلسطينيون فيما بينهم وخاصة بين فتح وحماس وهو القتال الذي بلغ ذروته بالهجوم على مقر الأمن الوقائي بغزة ثم الانتقام المباشر بالهجوم المضاد على مقر رئاسة الوزراء ومقر المجلس التشريعي وكلاهما تهيمن عليهما حركة حماس.
لذلك فإن التعاطف العالمي مع ضحايا مذابح اسرائيل الاخيرة والمستمرة منذ يوم الجمعة الماضي يخبو شيئا فشيئا امام الدهشة لهذا الإصرار لدى الفصائل الفلسطينية لتغليب الدخول في أتون حرب أهلية بدت نذرها بالفعل.
لقد عودتنا اسرائيل ان تلجأ الى المذابح عندما يشتد الضغط عليها من اجل التسوية السياسية، وهذه الايام بدا الرفض الدولي لخطة اولمرت الاحادية في الضفة الغربية شديدا ومن ثم فإن اسرائيل تبحث عن قضية تلفت انتباه العالم بعيدا عن الازمة الداخلية الاسرائيلية حول مسألة فك الارتباط من جانب واحد في الضفة.
وليس من المستبعد ان تصل المؤامرة الى حد تنفيذ التهديد باغتيال شخصية فلسطينية بارزة وفي ظل هذا الجو المتوتر في الاراضي الفلسطينية يجري إلصاق عملية القتل بأحد الفصيلين الكبيرين (فتح أو حماس) وهنا تبدأ المأساة الحقيقية بتحقيق الخطوة الاولى في اتجاه الحرب الأهلية التي تضيع تحت سنابكها القضية الفلسطينية بمجملها.
جزئية اخرى ينبغي الاشارة اليها كنتيجة للمذابح الأخيرة وهي دفع الرئيس الفلسطيني المعروف بالاعتدال والدبلوماسية والحنكة السياسية الى ساحة التصريحات الساخنة كرد على الاعتداءات الاسرائيلية ومن ثم تقوم الآلة الاعلامية الموالية لاسرائيل بتصويره في بوتقة واحدة مع فريق من يسمون بالمتشددين.
وهذه هي الفرصة التي تمنح اسرائيل مبررات العودة لمقترح العمل الأحادي على أساس عدم وجود شريك فلسطيني، وهذا ما بدا من تعليق عباس على المذابح بقوله: هذا التصعيد الاسرائيلي ان دل على شيء فعلى ان الاسرائيليين (فاجرون) في غيهم الى النهاية ويريدون ان يتخلصوا من الشعب (الفلسطيني).
ما من شك في ان ممارسات اسرائيل تصنف ضمن (إرهاب الدولة) كما وصفها عباس، لكن ما العمل وقد نجحت اسرائيل في صرف الانتباه الى التأزم الداخلي الفلسطيني حول وثيقة الاسرى والاستفتاء عليه؟
لقد استثمرت اسرائيل الدماء الفلسطينية مؤخرا على نحو يعطيها عائدا سياسيا مزدوجا: أولا تخفيف الضغط الدولي عليها، ثانيا شغل الفلسطينيين في قضايا وخلافات محلية تفقدهم تعاطف المجتمع الدولي وتبرز مصداقية المزاعم الاسرائيلية بعدم وجود شريك فلسطيني صالح للحوار حول مفاوضات الحل النهائي.
وتبدو فرص النجاة من هذا الشرك الخداعي ضئيلة امام الفلسطينيين ما لم يسارعوا إلى كلمة سواء تتسم بالاستعداد للتنازل عن الحدود القصوى والشروط والاملاءات وجهود عزل الآخر ثم اخيراً انطلاق الرصاص الفلسطيني نحو صدور الشباب الفلسطيني وتدمير المؤسسات الرسمية على هذا النحو المؤسف.
فبالله عليكم لا تخلقوا للشعب الفلسطيني مأساة جديدة فيكفيه ما هو فيه.