يبدو أن إيران لا تشتهي الجزرة ولا تخشى العصا في دفاعها عن موقفها. وحتى الآن لا يزال ممثلوها يردون بلغة لا تفتقر للصرامة على كل دعوات الغرب للمساومة.

لكن إلى متى ستبقى إيران متشبثة بموقفها المتشدد؟ لن نعرف الإجابة عن هذا السؤال حتى الخريف المقبل على الأقل، عندما تبدأ الإجراءات العقابية ضد طهران أخيراً بشكل فعلي.

في الثاني من يونيو، أعلن دبلوماسيون رفيعو المستوى من كل من الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين وألمانيا أنهم اتفقوا على مقترح يعرض حوافز على إيران لوقف تخصيب اليورانيوم. وبرغم عدم الإفصاح عن طبيعة هذه الحوافز بالتحديد إلى الآن، فإن هذه الخطوة تصعّد النزاع النووي باتجاه الدبلوماسية القسرية.

وإذا لم تتعاون إيران هذه المرة فيمكننا أن نتوقع موافقة مجلس الأمن خلال أسابيع على قرار يطالب إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم خلال 30 يوماً وإلا فستواجه إجراءات عقابية.

وإذا رفضت طهران مجدداً الإذعان لقرار مجلس الأمن، فسوف تختبر الولايات المتحدة عندها وحدة الصف الإيراني بالضغط من أجل تطبيق عقوبات اقتصادية معدة لإرغام إيران على الإذعان. وإذا انهارت عملية مجلس الأمن، فسوف تحاول واشنطن تجميع تحالف من الدول المستعدة لقطع الروابط التجارية مع طهران.

ولدى الجانب الإيراني أسباب قوية للثبات على مواقفه. فشرعيته في الداخل تعتمد على طرحه القائل انه آخر خط دفاع للثورة التي كان 70 بالمئة من الشعب الإيراني الآن صغاراً جداً وقت حدوثها.

ويعرب الكثير من الشباب في إيران عن استيائهم من مساعي الحكومة لفرض معايير صارمة للسلوك الجماهيري وحرمانهم من حرية الوصول إلى الحداثة الثقافية التي يتمتع بها الناس خارج حدود البلد.

وفي الوقت الراهن يبدو الوضع مستقراً. فلقد نجحت الشريحة الحاكمة في امتصاص المطالبة بالتغيير ولكن من دون أن يعني ذلك غياب احتمال عودة هذه المطلبة.

وبسبب هذه المعضلة، فإن الدفاع الشرس عن برنامج إيران النووي في وجه الضغوط الأجنبية يقدم قضية تكسب تأييداً جماهيراً عريضاً من كافة شرائح الشعب. وبالفعل فلقد أصبح تطوير البرنامج النووي رمزاً قوياً لسيادة إيران ومكانتها الدولية المتعاظمة.

وإذا كان الوضع السياسي المحلي يساعد في تفسير العزيمة الحالية للنظام، فإنه يكشف أيضاً عن حدود هذه العزيمة. ولمعرفة أين تكمن هذه الحدود، لا بد لنا من الإجابة عن سلسلة من الأسئلة.

أولاً، هل يعتقد زعماء إيران أن تأثيرات عقوبات الطاقة من شأنها أن تلحق أضراراً كبيرة بمكانتهم الداخلية؟ يبدو أن حساباتهم توحي لهم بأن خفضاً محدوداً في مخرجات النفط سوف يؤدي عملياً إلى تقوية النظام بدلاً من إضعافه، لأن العائدات التي سيجنيها البلد من الارتفاع الحاد في أسعار النفط سوف تعوض بل وتتجاوز الخسارة النظرية من انخفاض الصادرات.

لكن إذا تم فرض عقوبات أقسى على نحو يوجد ضائقة حقيقية في البلد، فعلى من عندها سيلقي الإيرانيون باللائمة: الولايات المتحدة أم حكومتهم؟ قد يجادل الرئيس محمود أحمدي نجاد بأن المعاناة والتضحية شرف رفيع للشعب الإيراني. لكن هل سيتفق معه الشباب الإيراني؟

هل يعتقد الزعماء الإيرانيون أن شن هجمات عسكرية أميركية أو إسرائيلية على بعض المواقع النووية يمكن أن يقوض شرعية النظام؟ ربما قرر المسؤولون الإيرانيون بالفعل أن من شأن مثل هذا الهجوم أن يدفع المواطنين إلى الالتفاف حول حكومتهم ولن يتسبب سوى بتأخير محدود في تطوير البرنامج النووي.

ثالثاً، هل يساور المسؤولون في إيران أي قلق من أن الولايات المتحدة أو إسرائيل قد لا تحصر هجومها في استهداف المواقع النووية فقط؟ هل يخشون على سلامتهم وسلامة النظام نفسه؟

لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة إلى أن تبدو العقوبات الاقتصادية أو الضربات العسكرية وشيكةً. وحتى الآن لا يزال المسؤولون في كافة مستويات الحكومة والقوات المسلحة متمسكين بالموقف الإيراني العلني . وفقط الإيرانيون الذين هم خارج النظام يقدمون تخميناتهم حول كيف يمكن ان تكون ردة فعل الشعب.

هناك بعض مؤشرات الحراك الاجتماعي في البلد، وإن كان ليس لأي منها، كما يبدو، علاقة بالنزاع النووي. ولقد وقعت سلسلة من التفجيرات وأعمال التخريب استهدفت البنية التحتية للطاقة في إقليم خوزستان الغني بالنفط، وهو الإقليم الإيراني الوحيد الذي تعيش فيه جالية كبيرة من الأقلية العرب.

كما قام أيضاً الانفصاليون الأكراد الذين قويت شوكتهم بعد ما حدث في جنوب العراق، بتنظيم تظاهرات احتجاجية عنيفة. وفي إقليم سيستان بلوشستان الجنوبي، قامت جماعة سنية تطلق على نفسها اسم (لواء الله) بتنفيذ هجمات إرهابية وعمليات اختطاف.

وفي شهر مايو، شهدت البلد أعمال شغب شارك بها آلاف من الهازار في إيران ، وهم مجموعة اثنية تشكل ربع السكان في إيران وينتمي إليها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي والعديد من رجال الأعمال الأثرياء، و ذلك بعد أن نشرت صحيفة مشهورة مملوكة للدولة رسماً كاريكاتيرياً يصور الهازار بصورة سلبية.

ويرى أحمدي نجاد أن ثمة صلة بين كل هذه الاضطرابات وبرنامج إيران النووي. ولقد أشار إلى أن أعمال العنف والتظاهرات دليل على وجود «مخططات معادية تهدف إلى نشر بذور الفرقة بين الإيرانيين».

ومع أن هذه النظرية تتجاهل بعض المظالم في إيران، فإن عددا من مفكري السياسة الخارجية الأميركية أشاروا بالفعل إلى إمكانية تقطيع أوصال إيران باللعب على وتر الاختلافات الإثنية.

ويشتبه المسؤولون الإيرانيون في أن عمل الدبلوماسيين الأميركيين في باكو واسطنبول في إطار «دعم الديمقراطية في إيران» يهدف بالفعل إلى إثارة النعرات العرقية لتقويض إيران من الداخل.

لكن الاختلافات البنيوية الأساسية بين إيران وجارتها العراق تظهر لماذا من غير المرجح أن تؤدي الاختلافات الإثنية إلى تقويض الوضع الإيراني في أي وقت في المستقبل القريب. فالعراق يعاني من طاعون الخصومات الطائفية لأسباب عدة يعود جزء منها لعدم وجود هوية وطنية عراقية قوية إلى الآن.

لكن الوضع مختلف في إيران، حيث ساعدت قرون من التزاوج البيني والاندماج الاقتصادي والسياسي لبعض الأقليات في البلد في تطوير وعي وطني. لكن مع ازدياد احتمال العقوبات الاقتصادية والضربات العسكرية، قد يلعب خطر اندلاع اضطرابات مدنية دوراً أكبر في حسابات المسؤولين.

وحتى هذه النقطة في النزاع النووي، تعتقد القيادة الإيرانية، كما هو واضح، أن رهانها رهان رابح. لكن إذا تسببت العقوبات الاقتصادية بضائقة حقيقة للشعب الإيراني، فإن الوحدة داخل الحكومة الإيرانية- بين وزراء أحمدي نجاد أنفسهم وأيضاً بين المسؤولين الذين يعتبرون أصحاب النفوذ الحقيقيين في البلد- يمكن أن توضع على المحك. وليس هناك إلى الآن ما يدل على أي صراع داخلي من هذا النوع.

خدمة لوس أنجلوس تايمزخاص لـ «البيان»