إنصافاً للحق وأهله أقول: لقد أوتيت كوندوليزا رايس ـ على الرغم من عجرفتها الأميركية ـ حظاً من الصراحة والشجاعة حملها على أن تقول: إن الأميركيين ارتكبوا في العراق آلاف الأخطاء التكتيكية.
ولا يعنينا هنا أن تكون هذه الأخطاء تكتيكية كما ادعت، أو (تفتيكية) و(تفكيكية) كما يشهد الواقع والوقائع. فهذه الأخطاء تفتيكية لأنها فتكت بالأبرياء، وتفكيكية، لأنها استهدفت تفكيك الأرض والشعب. كل ما يعنينا من كلامها الاعتراف بالاقتراف فهذا فضل لا يُنكر.
بمثل هذا الإعجاب تلقينا شجاعة معالي وزير التربية والتعليم الدكتور حنيف حسن، حينما حكم على التعليم الثانوي في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقال:
(لا يوجد تعليم جيد، وهذه حقيقة لم أخترعها من رأسي. وعندما يكون لديَّ أكثر من 90% من خريجي الثانوية العامة لا يرتقون إلى أن يكونوا طلاب جامعة. وهم في حاجة إلى سنة أو اثنتين لإعادة تأهيلهم من جديد بعد اثني عشر عاماً من الدراسة، فهل يكون لدينا تعليم جيد؟)).
مرة أخرى، ولدرء الشبهات، ولئلا أتهم بالتجني وإنكار الفضل أكرر إعجابي بمعالي الوزير، وألتمس منه في الوقت نفسه أن يكون أشجع من رايس، لأنها تتحدث عن أمة غير أمتها، ودولة تفصلها عن أرض كولمبس قارات وبحار ومحيطات.
أما معالي الوزير فإنه يشخص مرضاً وطنياً إذا بقي تفاقم وتعاظم، وإذا نجا منه أبناؤه فلن ينجو منه حفدته، وإذا عولج اليوم بالمسكنات فإنه قد يستعصي غداً على مباضع الجراحين.
إعادة التأهيل تعني أن حملة الثانوية حينما تخرجوا وزُف نبأ تخرجهم إلى ذويهم لم يكونوا أهلاً للشرف الذي مُنحوه، واللقب الذي حملوه، والمستوى العلمي الذي يُفترض أنهم بلغوه. فمن المسؤول؟ وعلى من تقع التبعة؟
أعلى الطالب، أم على المدرس؟ وعلى المناهج أم على أساليب الامتحانات؟ وعلى الكتب أم على الذين ألفوها؟ وعلى الذي اختار المدرسين أم علي الجامعة التي خرّجتهم؟ هذه الأسئلة وأسئلة كثيرة يستطيع كل مواطن في هذه الدولة الناشئة أن يلقيها على نفسه وعلى الوزير.
ولمَّا كنتُ واحداً من المواطنين الذين تعلم أبناؤهم وبناتهم في مدارس هذه الدولة فإنني خَطَرَ لي أن أتجرأ وأن أدلي بدلوي بين الدلاء لعلي أخرج بجرعة ماء.
إذا جاز لي أن أنظر إلى الوضع التعليمي بعين الوزير، وأن أتحدث بلسانه فإنني أقول: إن إضافة سنة أو سنتين ليست حلاً لمشكلة مستعصية، ولا علاجاً لمرض عُضال، وإنما هي انتقال بالمرض من الاسبرين إلى المورفين، أي: معالجة الداء بالتخدير، وللمخدر عمر قصير، فمتى انقضى أثره عاد الألم ليدل على أن المرض مازال يفتك ويفكك.
وأن الخطأ ليس تكتيكياً، وإنما هو جوهري له جذور ضاربة في أعماق العملية التربوية، وليس سطحياً طرأ على الوزارة، أو انتقل إلى الدولة كما تنتقل الأمراض السارية مع المسافرين، أو كما تهبط انفلونزا الطيور من مناقير النوارس والبجع، فتحمل إلى الناس المرض والوجع.
المطلوب إعادة النظر في السياسة التعليمية كلها في الخطة الموضوعة، والوسائل المستعملة لتحقيق هذه الخطة. في علاقة التعليم بالعمل، وفيما تحتاج إليه وزارات الدولة وأجهزتها من كفاءة وخبرة، ليكون التعليم تلبية لحاجة واقعية، لا طموحا إلى غايات نظرية مثالية.
وفي المدرسين: كيف يعدون إن كانوا من المواطنين، وكيف يُختارون إن كانوا من أبناء الدول العربية الشقيقة؟ وفي الكتب المدرسية: كيف تؤلف؟ وما الأهداف التي ترمي إلى تحقيقها؟ وفي مستوى هذه الكتب: أهي قادرة على مواكبة التقدم العلمي في العالم أم متخلفة عنه؟.
وإلى جانب ذلك كله، وقبل ذلك كله يجب الاهتمام بأمرين: الطلاب، والامتحانات. أما الأمر الأول وهو الطلاب فإنه في نظري محور العملية التربوية، وأما الثاني أي: الامتحانات، فإنه يعبر عن عرض العملية التربوية وشرفها، وإليك البيان:
لقد درجت التربية في الثلاثة عقود المنصرمة على تدليل الطلاب، وإفهامهم أن الحرية فوق النظام، وأن الفهم يغني عن الحفظ، والدوام أولى من الاهتمام، وأن النشاط المدرسي أهم من المناهج، فتلهّى الطلاب بالشكل عن المضمون وبجريدة الحائط عن المقرر في الكتاب.
وراحت المدارس تتبارى في تعليق هذه الجرائد على الجدران، حتى صارت أحفل بالمعلومات من عقول الطلاب، وتُرك للطلاب الحبل على الغارب، فجنحوا واستهانوا بالمدرسين، ونظروا إليهم بغير العيون التي كان الطلاب ينظرون بها إلى مشايخهم، ومتى فقد الطالب احترام المدرس فقد احترام الدراسة، ولم يجد في العلم ما يستحق التقدير.
إن على التربية أن تعيد إلى المدرسة نظامها الدقيق، وإلى المدرس مكانته المرموقة، وأن تقمع روح التدليل التي انتقلت إلينا بأسلوب مشوه عن الغرب، حتى كدنا نجعل من مدرسة المشاغبين مثلاً يحتذى، وأسلوباً يُتبع على ما فيها من فساد وتخلف.
وأما الامتحانات فأمرها أخطر، والمصاب فيها أكبر، فالمدرسون عامة يتنافسون في مقدار ما ينجح من طلابهم لا في مقدار ما يمنحون هؤلاء الطلاب من علم وخبرة.
وهذا التنافس رغبهم في تنافس آخر، وهو تيسير الامتحانات، حتى إنك لتجد أسئلة بعض المدرسين أجوبة لا أسئلة، لأنها تصاغ صياغة سهلة ضحلة تطفو فيها الأجوبة على الأسئلة كما يطفو الزبد على الماء.
ولما كان هذا المسلك يرفع من شأن المدرس فقد انتقل من المرحلة الابتدائية إلى الثانوية، ثم من الثانوية إلى الجامعية، حتى غدا اجتياز الامتحانات أيسر من احتساء الحساء، أو ارتشاف الماء، وأصبح رسوب طالب من مئة طالب معرة يعيَّر بها المعلم والمدير، ويعفى من تبعتها الطالب.
باختصار شديد أقول: إن كل المحاولات التي ترمي إلى إعادة التأهيل، وإلى إصلاح العملية التربوية لا يمكن أن تحقق أهدافها إلا إذا أقنعنا الطالب وأهله بأن العلم عمل لا لهو، وأن المدرسة مصنع لا ملعب، وبأن الامتحان سبر دقيق واختبار عميق، وأنه يتمخض عن نجاح ورسوب، وتفوق وإخفاق، وتقدم وتخلف، وأن الراسب والمخفق والمتخلف مرضى لا تصح أجسامهم بنقلهم من صف إلى صف ومن سنة إلى أخرى، حتى يمتلكوا جدارة الانتقال.
كاتب إماراتي