يواصل الوضع الفلسطيني انزلاقه نحو الهاوية. في الأيام الأخيرة ارتفعت وتيرة قفزاته، كماً ونوعاً، في هذا الاتجاه الذي بات يبدو وكأنه بلا كوابح ولا ضوابط، تحميه من الاندفاع في هذا المسار.
بل بات يبدو وكأنه تخلى بتصميم وإصرار عن مثل هذه الكوابح؛ التي كانت دوماً حاضرة وناجحة في حماية ساحته من الوقوع في هذا الفخ. بسرعة قياسية تسود قاعدة «رد الصاع صاعين» والاحتكام إلى السلاح.
تحول مسرح الصراع السياسي بين «فتح» و «حماس»؛ إلى مسرح صراع عدائي. صارت تصفية الحسابات، بصورة فورية ودموية، هي القاعدة المعمول بها. قاعدة الحوار غابت وتكاد تتلاشى. بات العمل بها محصورا عمليا بفض أو بتطويق المواجهات العسكرية بينهما.
مع انه صار من الواضح والثابت بأنه لا جدوى من المعالجات الأمنية؛ طالما بقي الاحتقان السياسي على حاله. بل في تزايد. ثم ان تلاحق المواجهات وتناسلها، عن بعضها صار من المتعذر اللحاق به؛ حتى أمنياً.
وما حصل أمس الأول خير شاهد؛ فضلاً عن انه يؤشر على أن الساحة أصبحت مهددة بالوقوع رهينة، إن لم تكن أسيرة لقانون الشطب والثأر.
الجنازات تتعرض لإطلاق النار والمواكب للكمائن والخطف وتندلع الحرائق في المباني والمراكز، العائدة للطرفين. عمليات الكر والفر ومع هذا العبث الجنوني تظل إشارات خطيرة لفرز مكاني وليس فقط سياسيا وأمنيا. كل فريق يستقوي بساحة له الباع الطولى فيها ويعتبرها عرينه؛ ليمارس فيها جولاته ويسجل من خلالها نقاطه ضد الآخر.
والخطر ان يتحول ذلك إلى أمر واقع على الأرض يؤدي إلى تناحر، لا يقوى أحد على احتماله. أو في أحسن الحالات إلى تفتيت المفتت. والمأساة المريعة هنا، انه خلف غبار هذا التقاتل، يواصل مشروع الفصل الأحادي الإسرائيلي زحفه بثبات؛ تحت لافتة انه لا يوجد شريك فلسطيني للتحاور معه؛ والتي يقوم أولمرت بتسويقها الآن في أوروبا.
فهو الآن ينعم بضرب عصفورين بحجر واحد: يتفرج على اندفاع الوضع الفلسطيني في الطريق المؤدي إلى الوقوع في فخ الفتنة؛ الذي طالما سعت إليه إسرائيل بكافة الوسائل. ومن جهة ثانية فإن ما يجري على الأرض، في غزة والضفة تقوم تل أبيب بتوظيفه لتعزيز طروحاتها الأحادية والترويج لها.
والأنكى من كل ذلك، ان التقاتل الفلسطيني، بالصورة التي بلغها، يبدو وكأنه يقوم بجزء من المهمة الإسرائيلية، بالنيابة عن العدو المحتل. أو كأنه يتكامل، في حصيلته، مع العدوان الإسرائيلي المتواصل ويسهل مهمته، عندما يتساقط ضحايا المواجهات الفلسطينية بالتزامن مع هجمة الاغتيالات والتصفيات التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي بالقصف المدفعي والجوي؛ عندئذ يكون المشهد مفجعا فعلاً. بل هو يؤشر إلى ان الحال يسير بسرعة نحو ما هو أشد وأدهى.
لا شك ان الساحة الفلسطينية غير خالية من مخزون الحكمة والقدرة على استعادة زمام الأمور، لوضعها على السكة الصحيحة. ولا هي خالية من عناصر الصحوة وابتداع الأساليب المناسبة لمواجهة التحديات.
ففي اللحظات القاسية ابتدعت الانتفاضات وأربكت بها المحتل . بل فرضت عليه التنازلات فهل تنتفض الآن على الفوضى والعبثية التي تهددها كقضية، وشعب؛ بعد ان طفح الكيل من شطط أهل البيت؟