في حوار قيم أدلى به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدوله رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي والمنشور في الصحف المحلية بتاريخ 3/6/2006 بالتزامن مع صحيفة «الشرق الأوسط»، تطرق سموه إلى مواضيع عده تشغل حيزاً كبيراً في تفكير الصحافيين والكتاب والمفكرين وعامة المتتبعين لفكر سموه النير وخطواته الثابته نحو بناء إقتصادي متطور يشار إليه بالبنان.

وفي مقالنا هذا لا نريد أن نتناول المواضيع التي تفضل بها سموه حفظه الله بالتحليل وبيان أهمية الرؤية الخاصة لسموه لتلك المواضيع رغم أهميتها التي تحتاج إلى بحوث لغرض تناولها، ولكننا آثرنا هنا تفحص النظرة القومية في فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وما يخالج شعوره ومكنونات فكره كقائد عربي متميز يريد النهوض بأبناء الوطن العربي والوطن الكبير إلى الرفعة المناسبة لهذا الشعب .

وإعادة أمجاده وسمعته والإنتقال به من وضع الى آخر متطور زاهٍ يليق به، ولسان حاله يقول أريد النجاح والسمو لهذا الشعب العربي لأنه يستحق ذلك. ويساعد تفكيره هذا وجود العوامل التي يمكن معها النهوض بالواقع الحالي للوطن العربي.

فكر القائد حفظه الله مستلهم من الماضي ويستحضره في الوقت الحالي ليمتزج من خلال العقول الخيرة والعوامل المساعدة لبناء مستقبل زاهر لهذا الوطن.

وهو يريد أن تستفيد هذه الأمة من تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة والتي تمثل في مكنوناتها التركيبية وأقاليمها وحدة وطنية مصغرة للوطن العربي.

حيث استطاع قادة الإمارات وبتعاون أخوي إعتماد مبدأ السيادة الوطنية في تأسيس الدولة وبنائها على أسس اقتصادية متينة تؤمن العيش بسلام وتوفير الرفاهية لشعب هذه الدولة وضمان مستقبلهم والنأي بهم وبدولتهم عن أية مخاطر تحدق بالمنطقة، مع الحفاظ على خصوصية كل إمارة .

وهكذا نجحت الدولة في بناء أسسها الصحيحة والقوية القائمة على أساس بناء بنية تحتية إقتصادية قوية هيأت إلى الإنطلاق بقوة نحو بناء صرح إقتصادي أصبح الآن مثلا للعالم أجمع.

ولا يختلف إثنان أن ما وصلت إليه دولة الإمارات العربية المتحدة من قوة إقتصادية جعلتها من الدول المحترمة والتي يحسب لها ألف حساب وكذلك لقادتها ومنهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله الذي قاد دبي إلى القمة، وهو يريد من هذا كله أن ينقل تجربته الناجحة ليطبقها على أرجاء هذا الوطن، فيكون هو المجرب وهو الحكيم.

ولكن قد يتساءل البعض، أن بناء الوطن العربي ومحاولة النهوض به من أوليات ومهام القادة العرب والجامعة العربية، وهذا صحيح وواضح إلا أن الطريقة المتبعة حالياً في النهوض بواقع الأمة هي طريقة قديمة قائمة على أساس التكامل السياسي بين الأنظمة الحاكمة أو تقارب وجهات النظر بين هذه الحكومات والتوفيق بينها وبالمحصلة ستكون هناك فائدة قد تكون منظورة أو غير منظورة تعود على أبناء هذا الوطن من خلال التنسيق بين الدول العربية وهذا يرتبط على شرط الوحدة السياسية أو التقارب بين أنظمة الحكم العربية...

وهذا محال، حيث أثبتت السنوات الماضية فشل هذه الطريقة التي يراد بها النهوض بالوطن العربي وشعبه، بل الأكثر من ذلك أن هذه الطريقة وإن كان بالإمكان إطلاق التسمية عليها بالنظرية القديمة أصبحت مصدر خطر على الوطن وأبنائه الذين تأخروا عن ركب التقدم في العالم، فاليوم العالم يتطور تطوراً سريعاً خصوصاً في آسيا وأوروبا غير أن الوطن العربي وشعبه في تراجع مستمر وهذا الأمر يحزن كل شريف في الوطن العربي.

ولا بد في هذا المقال أن نشير إلى أن المؤسسة التي تقود هذه النظرية القديمة وهي الجامعة العربية بإسناد من قادة الدول العربية، ورغم أن هذه المؤسسة تريد أن تقدم كل ما هو جيد ومميز لدول جامعتها غير أنها مقيدة بأطر نظرية، وهذا ما نادت به أصوات بتصحيح مسار الجامعة العربية من خلال إصلاح أنظمتها وطرق عملها.

حيث أن الوضع الحالي للجامعة العربية والقمم العربية أصبحت هشة لا تقدم أي جديد للوطن العربي وشعبه، بل أصبحت قراراتها معلومة لدى الجميع حتى قبل انعقادها. ورغم ذلك فإصلاح الجامعة العربية لوحده غير كافٍ للنهوض بواقع الوطن العربي.

ولكن ما هو الحل؟ السؤال هذا رد عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله من خلال أعماله الميدانية ليس على مستوى دبي ودولة الإمارات فقط بل تعدت إلى الوطن العربي من خلال المشاريع الإقتصادية وطرحه نظرية جديدة على مستوى العمل العربي وهذه النظرية تتمثل في حشد جهود قادة الدول العربية بإتجاه البناء الإقتصادي المشترك مستلهماً تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة والتجربة الأوروبية ومنها السوق الأوروبية المشتركة التي كانت الأساس القوي التي قام عليه إتحاد الدول الأوروبية.

إذن نحن أمام صوت مجرب ينادي بإحلال نظرية العمل الإقتصادي وتقارب الدول العربية إقتصادياً من خلال الدخول في سوق عربية مشتركة أو بناء إقتصادي عربي مشترك مع توفر عوامل التكامل الإقتصادي وصولاً إلى نهضة عربية شاملة. وهذا الطرح الذي أعلن عنه سموه عند إستلامه منصب نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة وحضوره إجتماع القمة العربية الأخيرة.

فهذا القائد لا يرضى أن يبقى الوضع العربي بشكله الحالي الجامد، غير أن هذا القائد في ذات الوقت لا يريد العمل لوحده وهو يواجه التحديات بل يؤكد سموه أن قدره أن يعمل مع قادة العرب لمواجهة هذه التحديات، وهناك عوامل كثيرة تجعل من هذا التعاون مثمراً، وبذات الوقت يؤكد سموه على أن ما ينتهجه القاده العرب من عمل مشترك مستند إلى النظرية القديمة إذا جاز التعبير، هو عمل صحيح .

ولكن يجب أن يسايره عمل إقتصادي مشترك، وهو بذلك لا يريد وبفضل حنكته السياسية وحكمته الكبيرة التي أوصلته إلى ما هو عليه الآن من مناصب سياسية وموضع إحترام وتقدير من الجميع - أن يفرض أسلوباً واحداً في العمل العربي بل إن رؤيته تنصب على أن يكون هناك خطان تعمل بهما القمم العربية الأولى (القمه الأولى).

وهي المعتادة ولمواصلة ما تم بناؤه حتى الآن والإستمرار في تطويرها، والقمة الثانية تخصص لشؤون التنمية والإقتصاد فقط، لإيمانه بأن من يقفون إقتصادياً يقفون سياسياً وهذا هو بيت القصيد وهذا هو الفكر القومي المعاصر الذي فيه الخلاص، أما الضعفاء إقتصادياً فمن الطبيعي يكونون ضعفاء سياسياً ومهمشون ثقافياً وحضارياً.

ومثلما ذكرنا ان قائدنا يستلهم من الماضي ويستحضره لبناء المستقبل فهو يفكر بالوطن العربي إلى ما بعد عشر سنوات ومن حسابات بسيطة مستندة إلى فكر إقتصادي قوي ينظر إلى المستقبل فإن الوطن العربي سيحتاج إلى توفير مليون وظيفة، وهذا تحد يجب التعامل معه في الحاضر لنضمن مستقبل هذا الوطن، والنتيجة الصالحة لهذه المعادلة هي التعامل بجدية مع موضوع التنمية الإقتصادية وإيجاد الطرق الميسرة لها من خلال القمم العربية الاقتصادية.

وقد يستند هذا القول مع تجارب دول في العالم ومنها الدول الأوروبية واليابان والصين وغيرها. حيث كان العالم في القرن التاسع عشر يعتمد في إظهار قوة الدولة من خلال قوتها العسكرية وغزواتها وما تغنمه تعود به لشعوبها، ثم تطور الأمر في القرن العشرين إلى موضوع القوة السياسية بدل العسكرية، أما في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين فقد انتقلت الدول وتطورت إلى بناء القوى الإقتصادية والشراكات العالمية وأصبح معيار قوة الدولة هو قوة إقتصادها ومثال ذلك ألمانيا واليابان والصين والهند.

وقد تكون هناك آراء حول النفط والثروات ووجودها في منطقة دون الأخرى وغيرها من الحجج فقد أثبتت التجارب أن لا مستحيل أمام الشعوب في بناء إقتصادها وكم من دولة بلا ثروات إستطاعت بناء مجد إقتصادي قوي وعاش شعبها برفاهية، وهل كل الدول الكبيرة بإقتصادها نفطية، والجواب الشافي أورده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ألا وهو الإستغلال الجيد والمنظم للطاقة البشرية وهي أكبر ثروة للبلاد، والوطن العربي زاخر بها.

وهذه الرؤية لسمو الشيخ محمد بن راشد المبنية على أسس فكرية صحيحة من شأنها أن تساهم وبشكل كبير في تغيير الواقع العربي الحالي وبناء مستقبل زاهر، غير أن اليد الواحدة لا تصفق كما يقولون، ويجب أن تتضافر الجهود جميعاً من أجل بناء وطن عربي مزدهر إقتصادياً ينعم بالإستقرار والأمن والرفاهية لشعبه.

ـ د. كاتب إماراتي

rashid.shabib@binshabib.ae