الإعلان عن تأجيل مؤتمر الوفاق الوطني العراقي جاء وكأنه خارج سياقه. أو كأنه جاء ليفرمل التفاؤل ولو الحذر، الذي أوحت به التطورات الأخيرة في العراق. كان من المقرر أن ينعقد في 22 الجاري.

في بغداد التحضيرات والتحركات تركت الانطباع أن الموعد باقٍ على حاله. كما سبقته مقدمات وانفراجات عزّزت هذا الاعتقاد، وبالتحديد على الصعيد السياسي.

حيث إن الأجواء شهدت من الحلحلة والتقارب، ما يجعل من المؤتمر مسألة تحصيل حاصل، فقد كان من المنطقي والمفترض أن يأتي انعقاده بمثابة تكليل للخطوات الإيجابية التي تحققت، والتي كانت واحدة من العوائق الواقفة في طريقه.

لكن ما حصل كان العكس. والمقلق أكثر أنه لم يتحدد له موعد آخر، ترك معلقاً مما ينطوي على احتمال صرف النظر عنه في المستقبل المنظور.

الحال أن العراق أحوج ما يكون إلى مثل هذا اللقاء. وبالذات في اللحظة الراهنة. فقطار الحكومة الجديدة على أهبة الانطلاق، أمامه طريق طويل ووعر. الوضع الأمني متفجر والتركيبة الوزارية في أحسن أحوالها طرية العود. مهماتها تحتاج إلى تماسك سياسي قوي، والمصالحة الوطنية في هذه الحالة هي المدخل الطبيعي لتصليب «حكومة الوحدة الوطنية» ولتسهيل نهوضها بالمطلوب منها.

خلاف ذلك، يشي بأن «الوحدة» داخلها مشوب بأعطاب أو على الأقل، أن التوافق على سياساتها مفقود حتى الآن، ومثل ذلك، إذا كان هو الحاصل، يشكل نكسة للعملية السياسية وما اجتازته مسيرتها، حتى الآن.

بعد تشكيلها وإعلان استكمالها، قبل أيام، بدا أن العراق قد شهد أخيراً ولادة أول حكومة دستورية ـ ولو تحت الاحتلال ـ منذ اجتياحه، بل منذ عقود. ولادة قيصرية، أخذت أكثر من خمسة أشهر.

ولأول مرة جمعت تحت مظلتها كل أطياف الساحة السياسية. وكان من الطبيعي أن يحمل ذلك على الترحيب والارتياح، لهذا التطور كما حمل على الاعتقاد بأن الوفاق الوطني العريض بدأ رحلته الطويلة بداية واعدة وراسخة، وهو شرط أساسي وضروري لا غنى عن توفره لتمكين الرافعة الحكومية وتجربتها الجديدة من مباشرة عملية البناء واللملمة، مروراً بضمان وترسيخ الأمن وانتهاء بالخلاص من الاحتلال.

بإجماع المراقبين والمتابعين للشأن العراقي في تعقيداته، أمام حكومة المالكي فقط، حتى نهاية العام الحالي، كي تشق بداية وتحقق إنجازات بالقدر الذي يعطيها الزخم المطلوب للاستمرار واستكمال دورها التأسيسي. وهي فترة زمنية قصيرة، قياساً بالمرجو منها على صعيد النتائج الملموسة. خاصة وأن عليها البدء من الصفر.

وغني عن البيان أن النجاح ـ النسبي ولكن المقبول ـ مرهون بحشد كل الجهود والطاقات، على قاعدة صفاء النوايا ووحدة الهدف المتمثل بإخراج العراق من محنته ووضعه على سكة الخلاص.

التعثر الذي قضى، في اللحظات الأخيرة، بتأجيل مؤتمر المصالحة، يتعارض مع هذه الشروط. رئيس مجلس النواب العراقي د. المشهداني أوضح مع الأمين العام المساعد للجامعة العربية بأنه قد جرت «مناقشة المعوقات التي تحول دون عقد المؤتمر وجرى الاتفاق على ضرورة توفير كل مقومات النجاح له».

بقدر ما هو الاعتراف واضح بوجود معوقات، بقدر ما هي الحاجة ماسة إلى تجاوزها من أجل العودة إلى هذا المؤتمر الذي يشكل بوابة الدخول إلى عملية الإنقاذ والانطلاق بها وبأسرع ما يكون.