القرار الذي اتخذته حركة المقاومة الإسلامية حماس بإلغاء الهدنة التي أعلنتها من جانب واحد قبل أكثر من عام كان صائبا ومتوقعا فقد جاء رداً على المجازر الصهيونية التي ارتكبتها قوات الاحتلال الصهيوني برا وبحرا وجوا على مناطق مختلفة في قطاع غزة طالت المدنيين الأبرياء وراح ضحيتها أكثر من عشرة شهداء وعشرات الجرحى من الأطفال والنساء.

و مشهد الطفلة سماح وهي تصرخ وتبحث عن جثث أسرتها التي قضت عليها الطائرات الإسرائيلية بالكامل يذكرنا بمشهد الطفلة الفيتنامية التي خرجت تركض دون ملابس تستر جسمها بعد أن قصفت الطائرات الأميركية قريتها بالنابالم ، فآلة الحرب واحدة والجريمة واحدة والهدف هو الدمار وإثارة الرعب.

الجريمة الصهيونية تؤكد سياسة ممنهجة لدى قادة الكيان الصهيوني بغض النظر عمن هو في سدة الحكم وليست رد فعل على عملية فدائية أو انتقاما لسقوط صواريخ أو قذائف على مواقع إسرائيلية فقطاع غزة يشهد حالة من التهدئة.

لكن قوات الاحتلال الإسرائيلي أرادت ان توصل رسالة للشعب الفلسطيني بان حرب الإبادة مستمرة ضده حتى ولو قدم التنازلات والتزم جانب الصمت.

وأغرب ما في الأمر ان رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت قد ارتكبت قواته هذه المجازر وهو يجوب عواصم عربية ويدعي البحث عن شريك فلسطيني للسلام تماما كما اغتالت قوات الاحتلال الصهيوني ثلاثة فلسطينيين في رام الله في الوقت الذي كان يزور فيه الولايات المتحدة ويلتقي الرئيس الأميركي جورج بوش في البيت الأبيض ويحظى باستقبال كبير في الكونغرس الأميركي لا يصل إليه بوش نفسه.

هذا في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة من حصار اقتصادي رهيب فرضته إسرائيل وأميركا ودول الغرب وشاركت فيه الدول العربية منذ تشكيل حركة حماس لحكومتها برئاسة إسماعيل هنية بعد فوزها بغالبية مقاعد المجلس التشريعي في انتخابات بداية العام.

وحتى السلطة الفلسطينية فقد ساهمت في الوضع الاقتصادي المتردي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في الداخل إذ استلمت حماس حكومة خاوية ووزارات بدون ميزانية. وها قد دخل الشهر الرابع ولم يتسلم الموظفون أي رواتب ووصل الوضع إلى درجة مزرية لا يكاد يتحملها احد.

كما أن الجمود السياسي لم ينشأ عن وصول حركة حماس للسلطة فعملية التسوية متوقفة فبل وفاة الرئيس ياسر عرفات وحتى بعد استلام محمود عباس رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية بدعوى عدم وجود شريك فلسطيني للتسوية في الوقت الذي لم تتوقف فيه عمليات تهويد القدس وبناء المستوطنات الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية والمضي قدما في إقامة جدار الفصل العنصري على أراضي الضفة الغربية وما يقتطعه من أكثر من 60% من مساحتها.

لقد أظهرت نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية حجم حركة حماس لدى الشعب الفلسطيني وهذا التأييد الكبير لها اكتسبته من خلال نظافتها السياسية وبرنامجها للمقاومة ورفض الاحتلال وعدم تقديم تنازلات سياسية مسبقة للكيان الصهيوني والاعتراف المجاني بالدولة العبرية. ورغم بدء الحوار الوطني الفلسطيني إلا انه لم يتم التوصل إلى قاسم مشترك وخطة عمل مستقبلية.

ويأتي طرح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس «وثيقة الأسرى» للاستفتاء العام في نهاية يوليو المقبل ليزيد تعقيدات الوضع الداخلي الفلسطيني ويعمق شقة الخلاف بين نهج السلطة الفلسطينية ونهج الحكومة، خصوصا وان خمسة فصائل فلسطينية ومن بينها حركتا حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية ترفض بعض بنود هذه الوثيقة.

ويبقى السؤال الملح كيف يمكن الخروج من هذا المأزق وحالة التشتت التي يعيشها الداخل الفلسطيني؟ ولعل أفضل خطوة يمكن ان تقدم عليها حركة حماس إعلان رئيس الوزراء إسماعيل هنية استقالة حكومته بعد بيان يصدره ويضع فيه النقاط على الحروف صراحة ويشرح فيه كل المعوقات التي حالت دون استمرار الحكومة في تنفيذ مهامها وتأييد تشكيل حكومة مستقلة تسير الأعمال اليومية ومراقبة عملها من خلال المجلس التشريعي ، والعودة إلى صفوف الشعب والدفاع عن قضاياه.

وبهذه الطريقة يمكنها التحرر من أي التزامات مجانية قدمتها السلطة الفلسطينية للكيان الصهيوني وتطلق يدها وحقها في مقاومة الاحتلال والرد على المجازر الإسرائيلية التي ترتكبها قوات الاحتلال يوميا بحق الشعب الفلسطيني.

musaabueid@hotmail.com