المؤرخ البريطاني نيال فيرجسون باحث مثير للجدل والخلاف بطبعه، والكثيرون على امتداد العالم يقرأون الآن كتابه عن تاريخ الحرب، الذي لم يتردد في أن يؤكد فيه أن الحرب العالمية الأولى لم تكن جديرة بأن تخوضها بريطانيا، وأنه كان ينبغي إعطاء ألمانيا امبراطورية في أوروبا.

وهو يملك الجرأة الكافية للدعوة إلى «تصفية» المملكة المتحدة. ما يعنينا، نحن العرب، في طروحات نيال فيرجسون الأخيرة يتمثل في أمرين محددين، فهو يرى أن المشكلة في «الامبراطورية» الأميركية هي أن واشنطن لا تلقي بثقلها على نحو كاف وراء تحقيق طموحاتها، وأنها ينبغي في هذا الإطار أن تحتل العراق أربعين عاماً.

لم يدل فيرجسون بهاتين النقطتين بوصفه أستاذاً زائراً في جامعة أكسفورد وأستاذاً بجامعتي نيويورك وهارفارد، وإنما بوصفه مستشاراً للعديد من أجهزة صنع القرار في واشنطن، ومن هنا بالضبط يثور التساؤل: لماذا احتلال العراق أربعين عاماً؟ هنا من حق القارئ العربي أن يرد على التساؤل بالمزيد من التساؤلات:

هل تحديد مدة الأربعين عاماً راجع إلى أن ذلك هو المدى الذي يمكن فيه استنفاذ نفط العراق؟ أم أنه المدى الذي يمكن عنده أن يتوقف كل حديث عن خروج قوات الاحتلال من العراق تماماً كما توقف الحديث عن خروج القوات الأميركية من ألمانيا واليابان؟

أم أنه المدى الذي عنده سيكون أقصى تناول لموضوع الاحتلال هو خطة لإعادة الانتشار كتلك التي اتفقت عليها واشنطن وطوكيو، أخيراً، لإعادة انتشار القوات الأميركية في جزيرة أوكيناوا بجنوبي الأرخبيل الياباني؟

دعنا نلاحظ أن المسؤولين الأميركيين، وعلى رأسهم الرئيس جورج بوش، لا يتركون مناسبة إلا وأكدوا فيها أن القوات الأميركية لن تبقى في العراق يوماً واحداً بعد المدى الزمني الضروري.

لكن ما هو بالضبط هذا المدى الزمني الضروري؟ ولمن هو ضروري؟ وبأي المعايير يمكن الحكم على جانب الضرورة فيه؟

هناك تقرير صادر عن لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي يلقي الضوء على علامات الاستفهام هذه ويساعدنا على تقدير المدى الزمني الذي يتصوره الأميركيون لبقائهم في العراق.

هذا التقرير يتناول بعض جوانب المقر الجديد للسفارة الأميركية الذي يجري إنشاؤه حالياً في ما يعرف بالمنطقة الخضراء في بغداد، ويهمنا أن نضع بعض الخطوط تحت جانب مما يرد في هذا التقرير، لعلها ترشدنا إلى حقيقة التصورات الأميركية عن البقاء في العراق.

ـ أولاً: من المعروف أن أكبر سفارة أميركية في العالم هي تلك الموجودة في بكين، والمشيدة على خمسة هكتارات، وتضم خمسة مبان، ولكنها سرعان ما ستتحول إلى قزم مقارنة بالسفارة الأميركية التي يجري بناؤها الآن في المنطقة الخضراء على امتداد 105 هكتارات، تضم 21 مبنى، منها 6 مبان مخصصة للإقامة بها 619 شقة.

بالإضافة إلى العديد من مباني الخدمات المتخصصة، فضلاً عن تسهيلات داخلية للإمداد بالمياه والكهرباء إلى جانب مدرسة خاصة، مما يجعل السفارة في نهاية المطاف مدينة قائمة بذاتها.

ـ ثانياً: تحظى كل المباني بعناصر تدريع معدنية تكفل لها الصمود في مواجهة الهجمات بالهاونات والقذائف الصاروخية والرشاشات الثقيلة، كما يضم مجمع السفارة بطاريات صواريخ بداخله تكفل الحماية الدائمة له حتى من القصف الجوي، ويبلغ سمك الجدار الخارجي 15 قدماً في جميع المواضع.

ـ ثالثاً: يلفت النظر أن جيش عمال البناء الذي يعكف على بناء السفارة حالياً، عبر العمل في فرق على مدار أربع وعشرين ساعة بهدف الانتهاء منه في يونيو 2007 والذي يقدر قوامه بحوالي 3500 رجل قد جلبوا من خارج العراق، بفعل التخوف من دخول العراقيين إلى موقع البناء لأسباب أمنية، فضلاً عن أن التسهيلات الأكثر حساسية في الموقع عهد بها إلى عناصر أميركية فقط.

ـ رابعاً: أشارت مصادر بريطانية إلى أن التكلفة الإجمالية لهذه المدينة الأميركية التي يجري تشييدها في قلب بغداد تبلغ 315 مليون جنيه إسترليني، وأن الخارجية الأميركية رفضت التعليق على أي شيء يتعلق بالسفارة وما إذا كانت قد استولت على الأرض بوضع اليد أم بالاتفاق مع الحكومة العراقية أم بالشراء بسعر السوق العقاري البغدادي.

ـ خامساً: حرص الأميركيون على الاحتفاظ سراً بكل ما يتعلق بالمقر الجديد، على الرغم من أن موقع البناء كان يضاء ليلاً لضمان استمرار العمل، ولم ينشر أي شيء يتعلق بهذا الموقع في الصحافة العراقية إلا في مايو الماضي.

ـ سادساً: يبرر التقرير إقامة هذا المقرر الجديد بأن المقر الراهن في القصر الجمهوري بقلب المنطقة الخضراء ليس كافياً لاستيعاب العناصر الضرورية للسفارة الأميركية، والمقدر عددها حالياً بحوالي ثلاثة آلاف عنصر.

إن نظرة سريعة على هذه العناصر، وعلى فحوى تقرير لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي، كفيلة بإيضاح مدى تواضع الأفق الزمني الذي حدده المؤرخ نيال فيرجسون لبقاء قوات الاحتلال الأميركية في العراق، مقارنة بما يفكر فيه صانعو القرار الأميركي.

ما ينشأ في قلب المنطقة الخضراء هو صرح من الواضح أن التخطيط الأميركي له هو أن تدار منه، عبر عقود عديدة مقبلة، مصالح واشنطن واهتمامها وتوجهاتها على امتداد المنطقة من وسط الهضبة الآسيوية حتى الشواطئ العربية المطلة على المحيط الأطلسي. إذا تصور أحد أن هذا الاستنتاج هو قفزة في الظلام، أو تكهن بعيد الاحتمال بآفاق المجهول.

فما عليه إلا أن يلقي نظرة على التقديرات التي يقدمها خبراء مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية حول آفاق الاستراتيجية الأميركية في العراق.

قبل التطرق إلى هذه الآفاق لابد لنا من ملاحظة المنطق الذي يتعامل به الأميركيون مع الزمن في العراق، وهو منطق لا يمكن أن يعيد لنا أصداء منطق مماثل في الأرخبيل الياباني، منطق قائم على مفهوم إعادة الانتشار، ومفارق تماماً لمفهوم «الخروج»، بل إننا في كل أوراق العمل والوثائق والمقترحات المتعلقة بالاستراتيجية الأميركية في العراق لا نجد استخداماً أو توظيفاً حقيقياً، حتى في الحدود الدنيا، لإصلاح الانسحاب أو الخروج من العراق.

بداية، يعتبر الخبراء الأميركيون أن الفترة الممتدة حتى عام 2008 هي فترة «تسخين» للحركة في الحركة في العراق.

يرجع ذلك، من منظورهم، إلى أن هذه الفترة ستنقضي على امتداد الأشهر الأربعة المقبلة في النقاش حول الدستور والقضايا الأخرى المهمة موضوع الخلاف بين العناصر المشاركة في حكومة نوري المالكي، ثم يلي ذلك شهران من الصراع السياسي المتوقع حول إمكانية تطبيق ما تم التوصل إليه، يلي ذلك توقعهم لفوضى سياسية مفتوحة على كل الاحتمالات حتى 2007 وربما حتى 2008.

ماذا بعد؟ إلى أين تمضي آفاق الحركة بعد هذا التسخين؟ يوصي الخبراء الأميركيون في اتباع العناصر الثلاثة الرئيسية في الاستراتيجية الأميركية الراهنة، مع النظر في إدخال بعض العناصر التي تكفل المرونة في التنفيذ.وهذه العناصر هي:

أ ـ الاستمرار حتى عام 2010 تقريباً في فرض تسويات سياسية لمختلف الأطراف الفاعل في العراق وترجمتها إلى إطار حكومي، باعتبار أن هذه المسألة هي عملية أو تطور وأنها أبعد ما تكون عن المدى القصير.

ب ـ الاستمرار في بناء القوات العراقية، في أفق زمني يتجاوز 2010 مع ملاحظة أن القصور الأميركي يشمل قرابة 180 ألف رجل لقوات الشرطة وأمن الحدود و100 ألف رجل للجيش، وهذه التركيبة شديدة الدلالة في التوجه الأميركي نحو استمرار احتلال العراق في المدى البعيد.

ج ـ استمرار ضخ المساعدات للعراق لأن فشل هذا البعد في الاستراتيجية الأميركية في العراق قد يعني في أسوأ السيناريوهات إما تمزق العراق على أسس طائفية وعرقية وإما اندلاع حرب أهلية تشمل عمليات تطهير عرقي وطائفي لا حدود لدمويتها، وهو ما يشكل مبرراً مفتوحاً للأبد لاستمرار الاحتلال.

ويلاحظ أن مقترحات تطوير هذه الاستراتيجية تصب جميعها في إطالة أمد الاحتلال، وحتى عندما يتحدث هذا الباحث أو ذاك عن «الخروج»، فإنه يشير إلى الخروج إلى قواعد من نوع ما يشيد الآن في المنطقة الخضراء ببغداد، وتدور السيناريوهات الكابوسية لدى استنزاف قوات الاحتلال حول الخروج إلى المياه الإقليمية العراقية حيث القوة النارية على متن عناصر الأسطول و«الخروج إلى مشارف الكويت» وغيرها.

لقد تحدث نيال فيرجسون عن بقاء الاحتلال الأميركي أربعين عاماً في العراق، لكن يبدو أن هناك في واشنطن من يتساءل: أليس من الممكن أن نتفاوض مع قادة عراقيين بعد مئة عام من الآن على إعادة انتشار في العراق مناظرة لإعادة الانتشار في وكيناوا؟

رئيس قسم الترجمة ـ «البيان»

kamel@albayan.ae