لم يؤت الحوار الفلسطيني ثماره المرجوّة، وكالعادة، فقد اتفق قادة الفصائل على أن لا يتّفقوا، وكان الحوار، منذ البداية، بمثابة حوار طرشان، وفي اتجاه واحد (أي إرسال من دون استقبال)، ومن دون النيّة في التوصل إلى أية نتائج!

ويبدو أن الوصول إلى هذه النتيجة المؤسفة والمضرة كان متوقّعا، لاسيما في ظل انعدام الثقة بين الحركتين الرئيستين في الساحة الفلسطينية )«فتح» و«حماس»(، والافتراق الحاصل بين مشروعيهما السياسيين، وترسّخ عقلية المزايدة والمنافسة الفصائلية، وغياب تقاليد الحوار النقدي والبناء، بعد مرحلة طويلة من تراث الزعامة الفردية (في ظل قيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات).

أما لجهة تحديد الجهة المسؤولة عن إخفاق هذا الحوار، فربما أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتحمّل بعض المسؤولية عن هذه النتيجة، فهو منذ البداية لوّح بخيار الاستفتاء، وكان بإمكانه أن يطرح هذا الخيار كنتيجة لمآل الحوار وليس كشرط له.

كذلك كان بإمكان أبو مازن أن يوسّع ساحات الحوار لتشمل الطيف الفلسطيني بأكمله، وأن يضفي نوعا من المرونة على المدة الزمنية المفترضة لانتهاء الحوار، وأن يحدد موضوعاته، بحيث تشمل قضايا بعينها، وليس مجمل القضية الفلسطينية بتعقيداتها وإشكالياتها وتداخلاتها؛ التي هي في كثير من جوانبها تتعلق بالتطورات والمعطيات الدولية والإقليمية والإسرائيلية، أكثر مما تتعلق بما يريده، أو ما يستطيعه، الشعب الفلسطيني، في هذه المرحلة.

مع ذلك، ومن قبيل الموضوعية والإنصاف، فثمة بعض العذر لأبي مازن في ما ذهب إليه، بعد أن لاقى الإنكار والتشكك من حركة «حماس»، مع كل ما قدمه لها (بالقياس لغيره)، إلى درجة تمكينها من الوصول إلى سدّة السلطة.

وربما أن أبا مازن حاول، من خلال الدعوة للاستفتاء، استعادة زمام المبادرة لمؤسسة الرئاسة، بعد أن استشعر بأن مكانة هذه المؤسسة، وضمنها مكانته كرئيس منتخب، باتت مهددة، بعد النشوة التي ألمّت بحركة حماس، إثر فوزها في الانتخابات التشريعية، وخصوصا محاولاتها تصوير تصويت الشعب الفلسطيني لها، وكأنه بمثابة بمثابة تصويت لبرنامجها السياسي، وكأن الرئيس لم يعد موجودا، لا هو ولا البرنامج، الذي انتخبه الشعب على أساسه، برغم وضوحه وشفافيته.

أيضا ربما أن أبا مازن أراد أن يضفي نوعا من الجدية والحسم على هذا الحوار، حتى لا يدخل في دوامة الحوارات غير المجدية، التي شهدتها الساحة الفلسطينية على الدوام، خصوصاً في ظل إحساسه بخطورة الوضع الفلسطيني الراهن.

من ناحية أخرى فإن «حماس»، بدورها، تتحمل قسطها في إخفاق هذا الحوار، بقدر مسؤولية «فتح»، ذلك أن «حماس» ظلت تتصرّف، منذ ما بعد فوزها في الانتخابات.

وكأن ثمة مؤامرة على دورها القيادي في الساحة الفلسطينية، متناسية أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس مانع مجمل الإملاءات الإسرائيلية والأميركية المتعلقة بضرب البنية التحتية لها، وقاوم إخراجها من العملية السياسية، ومهد الطريق لصعودها إلى سدّة السلطة، رافضا كل الضغوط المناوئة لهذا الاتجاه، والتي جاءته من داخل حركته فتح، أيضا.

أيضا ومنذ البداية تعاملت حركة حماس بنوع من الحذر مع «وثيقة الأسرى»، إذ نظرت إليها بعين التشكك، وحاولت النيل من صدقيتها، مع أن هذه الوثيقة جاءت بمثابة القاسم السياسي المشترك بين مجمل الفصائل الفلسطينية، وخاصة بين مشروعي فتح وحماس. وفي كل المراحل لم يكن أداء قادة «حماس» موفقا في مسار الحوار، إذ رأت فيه انقلابا سياسيا على نتائج الانتخابات.

كما رأت فيه محاولة لإضعاف شرعية الحكومة التي شكلتها. والأنكى أن قيادة حماس رفضت مشروع «الاستفتاء»، بدعوى أنه غير قانوني وغير مجدي ومكلف، وأيضا بدعوى أنه يتناقض مع الإرادة الشعبية! وأنه لا استفتاء في ظل الاحتلال!

أيضا يمكننا هنا تلمس بعض العذر لحماس، فهذه الحركة تمتلك تجربة في المعارضة، ولكن تجربتها في القيادة المسؤولة مازالت محدودة. كذلك فإن هذه الحركة التي يبدو أنها فوجئت بفوزها في الانتخابات، وبالاستحقاقات المطلوبة منها، ليست ناضجة، بعد، أو ليست مؤهلة للإجابة على هذه الاستحقاقات.

وأخيرا فإن مناخ عدم الثقة، وتجربة الاستفراد بالقرارات التاريخية، يمكن أن تعزز مخاوف حماس بشأن تهميشها أو إحراجها أو إضعاف مكانتها القيادية.

وبديهي أنه كان من الأجدى ل«حماس»، لو أنها، منذ البداية، انخرطت في الحوار بروح من الجدية، وبعقلية منفتحة، على كل المشاريع المطروحة، وبنوع من الايجابية مع مشروع «الاستفتاء».

وكان ثمة مخارج جد مهمة وموضوعية تكفل ل«حماس» تخطي الأزمة الراهنة، وتجاوز الزوايا الحرجة التي وجدت نفسها فيها، من مثل الاتكاء على مبادرة السلام العربية التي طرحت في قمة بيروت (مارس 2002).

ومن مثل الانحياز لخيار الاستفتاء، لمعرفة ما يريده الشعب، ولتكريس هذه النقلة في النظام السياسي الفلسطيني، ولاعتبار نتائج الاستفتاء بمثابة تغطية سياسية، لأية مرونة اضطرارية يمكن أن تقدم عليها، وبالخصوص لاعتبار الاستفتاء، مستقبلا، بمثابة ورقة لصالحها ضد أية محاولة من أي طرف كان لإبداء تنازلات سياسية إزاء الإملاءات الإسرائيلية.

النتيجة الآن أن الفلسطينيين فوّتوا، مع الأسف، فرصة أخرى لإيجاد نوع من التوافقات الوطنية الضرورية بينهم، لتعزيز إمكانات صمودهم، وتوحيد إمكاناتهم في مواجهة تعقيدات المرحلة المقبلة، وضمنها مواجهة الحل الأحادي التصفوي، الذي تعد لها حكومة أولمرت بدعوى غياب شريك فلسطيني، وعدم أهلية الفلسطينيين لإدارة أوضاعهم.

وكان الفلسطينيون، منذ بداية الانتفاضة (سبتمبر 2000)، على وجه الخصوص، بحاجة لحوار جدي وبناء، يوحّد خطابهم السياسي، ويرشّد طرقهم النضالية، ولكنهم عوضا عن ذلك تركوا أنفسهم نهبا للفوضى والعفوية والمزاجية، كما للتوظيفات والتنافسات الفصائلية، ما كلفهم ثمنا باهظا، فضلا عن أن هذا الوضع حمّل انتفاضتهم فوق ما تحتمل ما أدى إلى هدر طاقاتهم النضالية، والتضحية بالعديد من المنجزات التي حققوها بتضحياتهم ومعاناتهم وعمرهم.

هكذا، ومن دون التقليل من أهمية الحوارات الجارية، وعلى ضوء ما حصل، فإن الساحة الفلسطينية بحاجة أساسا إلى التربية على ثقافة الحوار، وتقبّل الرأي الأخر، والخروج من عباءة الفصائل إلى أحضان الوطن والشعب.

وهذه الساحة بحاجة تحديدا إلى إتقان المعادلة التي تركّز على القاسم العام والمشترك، والتي توائم بين الطموحات الذاتية والأهداف الممكنة، بدون توهّمات أو مبالغات.

المهم الآن، وبعد أن حصل ما حصل، فإن القيادات الفلسطينية، وبخاصة في «فتح» و«حماس»، معنية بالمبادرة، بشكل مباشر، لنزع فتيل الاحتقان الداخلي، والبحث عن حلول سلمية وديمقراطية للانسداد في مجال الحوار.

كما لابد من المبادرة إلى التوافق على مفاتحة الشعب بحقيقة الأوضاع: صعوباتها وتعقيداتها والإمكانيات المتاحة والتحديات المطروحة. فالشعب الذي قاسى أهوال الحصار والعدوان وعانى الأمرين جراء التجويع والتقتيل والتدمير، من حقه أن يعرف مصير كفاحه المضني والطويل والمعقد، وما هو ممكن وما هو غير ممكن في هذه المرحلة، ومن حقه أن يشارك بصنع تاريخه، بشتى الأشكال ومن ضمنها الانتخابات والاستفتاءات.

كاتب فلسطيني