كان من المفروض - وربما الأنسب - أن يكون موعد نشر هذا المقال هو يوم الاثنين الماضي الذي صادف الذكرى التاسعة والثلاثين لنكسة الخامس من يونيو 1967 كما اصطُلح على تسميتها في وسائل إعلامنا العربية، لكن قرار تأجيل كتابته.
ومن ثم نشره جاء لمعايشة الذكرى ورؤية ما سيكتب ويقال عن أكبر هزيمة لثلاث دول عربية مجتمعة في التاريخ الحديث، تلك الهزيمة التي شكلت انكسارا للأمة العربية كلها، ومنعطفا تاريخيا كبيرا في حياتها.
ورغم فداحة الخسارة وهول الهزيمة إلا أننا حاولنا التخفيف من وقعها فأسميناها نكسة كدأبنا مع كل الانكسارات التي نتعرض لها فتفت في عضدنا لكنها لا تشلّ تفكير أولئك الذين يحاولون إيجاد المخارج والمبررات لها.
وكانت دهشتي عظيمة لأن الذكرى مرت علينا وعلى وسائل إعلامنا جميعها تقريبا دون أن تجد لها مكانا على شاشاتها وموجات أثيرها وصفحات جرائدها ومجلاتها، اللهم إلا فيما ندر وعلى استحياء، وفي المواقع الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية غالبا، حيث تجد الفضفضة لها مكانا وينفسح المجال للجميع دون رقابة أو سلطة حارس بوابة أيًّا كانت صفته وحيثما كان موقعه وعلى أي محفة جاء أو سيرحل.
ربما اعتقد البعض أننا من هواة البكاء على اللبن المسكوب أو اجترار الماضي للتهويم في خيالات وأوهام لم يعد لها وجود، أو يظن البعض أننا من محبي جلد الذات للبقاء في جو المأساة سعياً إلى تكفير ذنوب ارتكبها جيل رحل جميع أبطاله تقريبا.
ولم يبق منهم أحد على رأس السلطة بعد أن جاءت أجيال وتبدلت أحوال، ولم يعد الوقت وقت «أمجاد يا عرب أمجاد» رغم إنه شعار جميل لو عرفنا كيف نرفعه ونرفع رؤوسنا التي أدارتها الشعارات ودوختها الهتافات وأسكرتها نشوة السلطة قبل أن تستفيق على قسوة الواقع وصدمة الحقيقة وانكسار الحلم ونزيف الكرامة.
وأشياء كثيرة فتّحت جروحَها الهزيمةُ التي لم تجد لها أبا بينما كان هناك ألف أب وأب يستعدون لنسبة النصر إليهم فيما لو تحقق يومها، لكنه لم يتحقق للأسف لندخل نفقا مظلما ما زلنا نسير فيه رغم بقع الضوء التي تظهر لنا بين فينة وأخرى ثم سرعان ما تختفي وتنطفئ كأنما كُتب علينا أن نعيش في الظلام ونتجرع الآلام.
لسنا الأمة الوحيدة التي تتعرض لهزيمة بهذا الحجم، فتاريخ الأمم والشعوب كلها ما هو إلا سلسلة من الهزائم والانتصارات، والنكوص والاندفاعات، والهبوط والارتفاعات، لكن الفرق بيننا وبين الشعوب الأخرى هو أن تلك الشعوب تستفيد من هزائمها وتتعلم من أخطائها، فتحول تلك الهزائم إلى دروس وعبر لتنهض من جديد كطائر الفينيق الذي ينبعث من بين الرماد بعد أن تخمد الحرائق، أو كالشمس التي تغرب في نهاية كل يوم لتعود تولد من جديد في اليوم التالي.
هكذا فعلت شعوب أوروبا وآسيا وكل قارات الدنيا، فهل كتب علينا نحن أن نعيش حريقا يشتعل إثر حريق وأن نبقى رمادا يضاف إليه رماد؟
رب قائل يقول إن تجاهل وسائل إعلامنا لذكرى النكسة إنما هو تعبير عن حالة اليأس التي تردت إليها الأمة حتى لم يعد هناك ما يحرك ذاكرتها ويدعوها إلى استخلاص الدروس والعبر والبحث في مكامن العلل وأسبابها لاجتثاثها من جذورها استعدادا لانطلاقة جديدة نحو المستقبل.
ولعمري إن هذا لهو أسوأ ما يمكن أن تتعرض له أمة من الأمم، عندما تصل إلى مرحلة من اليأس لا يعود يجدي معها أي علاج ولا وسيلة ولا صدمة، فهل وصلنا فعلا إلى هذه المرحلة؟ وهل حالة الاستلاب هذه مؤشر على انهيار الأمل وضياع الحلم ونهاية كل المشاريع التي كانت ذات يوم وقود الشارع العربي الذي يحركه ويدفعه إلى رفع رأسه والتطلع إلى زمن مختلف يتخلص فيه من كل سوءات الماضي؟
وهل وضْعُنا اليوم أسوأ منه قبل أربعة عقود عندما أفاقت الأمة بعد حرب الأيام الستة لتواجه الحقيقة المرة متمثلة في احتلال إسرائيل شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية .
وما تبقى من أرض فلسطين، وتشريد ما يقرب من نصف مليون فلسطيني من أراضيهم، وتدمير سلاح الطيران المصري والسوري والأردني، واستشهاد ما يقارب 17 ألف مقاتل عربي فضلا عن الجرحى، وبدء مرحلة إقامة المستوطنات الصهيونية في الأراضي العربية المحتلة؟
كل هذه الخسائر المادية كانت تهون أمام الخسارة المعنوية والنفسية التي مُنِيَ بها العرب من مشرقهم إلى مغربهم، فقد كانت الخسارة الكبرى هي تبدد الحلم وانهيار المشروع القومي الحضاري النهضوي الذي كان الجميع يعيش مرحلة بزوغه مع انطلاق المد القومي الذي بدأ بثورة 23 يوليو التي شكلت نقطة تحول في تاريخ الأمة العربية كلها وليس الشعب المصري وحده، ولذلك كانت صدمة الأمة بحجم تعلقها بالقيادة التاريخية لزعيمها جمال عبدالناصر.
وعندما خرجت جماهير الشعب المصري إلى الشوارع رافضة قرار عبدالناصر بالتنحي بعد النكسة لم تكن تعبر عن تعلقها بالزعيم الذي صنع معها الحلم بقدر ما كانت تعبر عن تعلقها بالحلم نفسه وخوفها من ضياعه.
وقد كان بالإمكان أن يتبلور شئ من هذا، خاصة بعد النصر الذي تحقق في حرب أكتوبر عام 1973 لولا أن الرياح التي هبت من الغرب بعثرت كل ما حققته هذه الحرب، خاصة من الجانب المعنوي الذي تمثل في استرداد شئ من الكرامة التي أهدرتها نكسة الخامس من يونيو ، ليستمر مسلسل الخسائر في كل أرجاء الوطن العربي، وتتوزع مشاهده متنقلة بنا من بلد إلى بلد، ومن مسرح إلى مسرح، ومن محرقة إلى محرقة.
في ذكرى النكسة التاسعة والثلاثين بحثت عن شمعة تحيي الأمل في النفوس فوجدت تسعا وثلاثين شمعة مطفأة هي عمر النكسة الثقيل الطويل، ووجدت شمعة تنتظر من يشعلها، وأرسلت النظر تجاه تلك الأرض التي حمّلناها كل أسباب النكسة وتبعاتها فتراءت لي على البعد أضواء شموع ربما كانت هي النار التي سنقتبس منها في قادم الأيام لنمحو آثار النكسة.
ونعاود انبعاث طائر الفينيق الذي تقول الأسطورة الكنعانية إنه عندما يصير عمره 500 سنة يبتني عشا في عب شجرة عند أعلاها، يجمع العنبر والطيب والمر واللبان، يتكوم بينها في العش ويلفظ نفسه الأخير بين الأطياب، ومن رماد هذا الطائر الأب يولد فينيق صغير مرصود على العيش 500 سنة أخرى.
500 سنة أمد طويل لا أظننا قادرين على انتظاره ولن نعيشه بالتأكيد، فهل يولد فينيقنا قبل هذا الموعد لنفرح بميلاد أمتنا الجديد؟ هذا ما نتمناه ونحن نتناسى ذكرى النكسة، لكننا لا ننساها.
كاتب إماراتي
