في حديثه الإذاعي الأسبوعي أشاد الرئيس بوش بمنجزات قواته في العراق مشدداً على نجاحها في تصفية أبومصعب الزرقاوي. وقال في هذا الصدد بأن الديمقراطية حققت انتصاراً كبيراً في قلب الشرق الأوسط!
ما يستوقف أن إشارته الديمقراطية هذه تزامنت مع وقوع مجزرة ارتكبتها القوات الإسرائيلية وحصدت أكثر من عشرة مدنيين فلسطينيين، من بينهم طفل رضيع.
وعلى جاري العادة لم يتجاوز رد فعل الإدارة الأميركية، على هذه الفظاعة الإجرامية، إبداء «الأسف» الناشف، الذي ورد على لسان الناطق الرسمي. كيف يمكن للرئيس بوش أن يتوقع التجاوب، ولو بأدنى درجاته، مع دعواته وتبشيراته بالديمقراطية وعزمه على المساعدة في نشرها في المنطقة وهو الذي لا يرشق إسرائيل حتى بعبارة إدانة، ولو فارغة؟
كيف يمكن أن يكون لكلامه عن الديمقراطية أي صدى إيجابي وإسرائيل، التي تحظى بحماية أميركية تامة، فالتة آلتها العسكرية على الشعب الفلسطيني وتمارس انتهاكاتها الصارخة ضده بلا رادع؟
بمثل هذا الموقف يشجع البيت الأبيض إسرائيل على التمادي بعدوانها وممارسته بالطرق والأساليب التي تراها مناسبة، بصرف النظر عن وحشيتها، ويربك المشروع الديمقراطي الحقيقي ـ وهو، بكل حال، لا يأتي إلا من داخل المنطقة وبصناعة محلية ـ الذي تحتاجه المنطقة فعلاً.
فالنفور من السياسة الأميركية، في المنطقة، لابد وأن يستولد ردود فعل سلبية، بل مضادة، لكل ما يحمل التوقيع الأميركي. خاصة وأن هذه السياسة لا ترى إلا بعين إسرائيلية. وباتت نمطاً راسخاً لا تحيد عنه واشنطن.
وكانت آخر تجليات هذا النمط في الموقف الأميركي من الانتخابات الفلسطينية وما تمخضت عنه. فبدلاً من مكافأة الفلسطينيين على ممارستهم الديمقراطية، التي شهد لها العالم باستقامتها، سارعت إلى خنقهم عبر الحصار الظالم. استجابت لدعوة الحكومة الإسرائيلية، التي بادرت يومذاك إلى وقف تسديد الضرائب والعوائد الجمركية إلى السلطة الفلسطينية ـ مع أنها تعود لهذه الأخيرة، وقطعت مساعداتها للفلسطينيين. ولحقت بها أوروبا.
وحصل ذلك في الوقت الذي كان الرئيس بوش فيه لا يترك مناسبة من غير التشديد على سياسة إدارته والتزامها بنشر الديمقراطية! تناقض فاحش. وكأن الديمقراطية استنسابية. أو كأن المطلوب في البلدان العربية، لابد وأن يكون مفصلاً حسب القياسات المناسبة لإسرائيل. وإلا فهو مرفوض ويستحق العقاب.
الديمقراطية ليست أنشودة تتلى في المناسبات. هي ثقافة وممارسة وبقدر ما هي نبتة بلدية جوانية بقدر ما لا يصح استيرادها من الخارج. فكيف إذا كان هذا الخارج لا يلعب دور القدوة في الترويج لها؟ فشعوب المنطقة تنظر بعين الارتياب الكبير إلى ما جرى في العراق، تحت يافطة الديمقراطية التي رفعتها إدارة بوش، منذ احتلاله.
ويتعزز الارتياب بل يتضاعف عندما تستدير العين شطر فلسطين والمظلة الواقية التي توفرها واشنطن لإسرائيل وكل ما ترتكبه من انتهاكات ضد الإنسان والحقوق والأرض والأرزاق، في الضفة وغزة، والتي لم تكن مجزرة شاطئ غزة ولن تكون الأخيرة في سياقها.
الحديث الأميركي عن الديمقراطية في المنطقة بالترافق مع إغماض العيون عن الجرائم الإسرائيلية، لا يستقيم. الديمقراطية مطلوبة. لكن بالتأكيد ليست تلك التي تحاول الجمع بين الصيف والشتاء على سطح واحد.