يتحدث بعض المسؤولين عن الصف الثاني في قيادة المؤسسات، ولا يتوانون في الإيحاء بأنهم من المؤيدين لسياسة تجهيز القيادات المستقبلية التي ستحل مكانهم بعد عمر طويل.

ذلك كلام للاستهلاك الإعلامي أو لتحسين الصورة أمام من هم أعلى، وهو لزوم الحصول على المباركات ومزيد من الصلاحيات، فالكلام جميل، ولكن الواقع ليس كذلك، انه ليس جميلا، وليس ورديا، وليس مبشرا، فما يحدث هو العكس تماما، فهذا مسؤول لديه صف ثان وثالث ورابع، كفاءات أثبتت أنها جديرة بالثقة والاهتمام والمحافظة عليها، تعطي دون تردد، وتبدع بشهادة الجميع.

وتبرز بناء على ما تملك من مقومات للشخصية القيادية، فتحارب من المسؤول، بسبب الخوف من أن تكون البدائل جاهزة للحلول محله في أي وقت، ويبدأ حربا هادئة يخطط لها مع بعض الأعوان من الذين لا يشكلون خطرا عليه، سواء من حيث الدراسة أو التخصص أو الجنسية، وعادة ما تكون تلك الحرب قائمة على الأسلوب الكيسنجري «الخطوة خطوة» وركيزتها الأساسية «التحجيم» بنزع الصلاحيات، وتسفيه الانجازات.

وحصر المشاركات، وإحباط الهمم، حتى يجد الصف الثاني نفسه وبمن يضم من الأشخاص مبعدا عن دائرة الضوء التي لا تحتمل غير المسؤول الأول، وتبدأ مرحلة التسرب من قبلهم، اتقاء للشر وحفاظا على الكرامة، ويتم تصعيد الأقل خبرة، ويعتبر متدربا في مجال القيادة، وهكذاحتى يشتد عوده وتمارس ضده نفس مراحل حرب «التطفيش».

وحتى لا يلام المسؤول المشجع للتوطين ومنع قيادات المستقبل على تسرب الكفاءات، يعين بعض الموظفين الجدد، ويكون شاكرا لو كانوا من حملة الثانوية أو الدبلومات، أما إذا كانوا خريجين فالأفضل ألا يكون قد سبق لهم العمل حتى يعيشوا بضع سنوات تحت خط التجريب والتعلم، ويحمل المسؤول الأرقام ويذهب بها إلى من يتوقع سؤالهم عن الأحوال، ويطمئنهم بان عملية التوطين تسير حسب الخطة المرسومة.

وان قادة المستقبل يتم تجهيزهم استعدادا لمرحلة التطور القادمة، ولا يجد من يناقشه في تفاصيل الاستقالات المتلاحقة للكوادر التي أعدت طوال سنوات واكتسبت الخبرات اللازمة، فلا أحد يتعب نفسه، خاصة إذا كان المسؤول مرضيا عنه، وكانت قوائم التعيين التي يحملها تضم أعداداً تفوق الأعداد المتسربة بفعل الحرب التي يولدها الخوف.

ما أجمل الكلام وما أسوأ الواقع، وما أقسى عدم ثقة الإنسان بنفسه، حتى ولو كان مسؤولا.

halyan10@hotmail.com