يبدو أن الإنسان العربي أصبح رقما لا يصلح إلا للضرب، ميدانا لا يعرف سوى الحرب، لغته.. ثقافته.. هويته سرقت في وضح النهار، أفكاره يجرفها التيار، شموعه يكسوها الغبار، جروحه تنزف باستمرار، أوطانه تئن تحت وطأة الحصار، حاضره مكبل بالنار، كرامته تلجأ إلى الفرار، بحثا عن مخبأ من الأخطار والأشرار.. انه الإنسان الذي تكالبت عليه الإهانات والقتل و صارت طقسا يوميا.
على مدى سنوات طويلة مضت، رسم هذا الإنسان صورة وردية للغاية عن احترام الغرب للإنسان والقيم الإنسانية، استقاها بالتأكيد من أفلام هوليوود، التي رأى فيها، كيف يتلو الشرطي على المتهم حقوقه لحظة إلقاء القبض عليه.
ويخبره بإمكانية توكيل محام إن لم يكن يستطيع ذلك، وامتناعه عن إهانته أو التعرض له بالضرب حتى لو كان من كبار المجرمين، الذين ارتكبوا أفعالاً لا تدفع أحدا إلى استعمال الرأفة معه.
هذه الصورة الوردية، علقت في ذهن الإنسان العربي، وكان يهرب إليها بخياله، كلما اشتدت وطأة الضغوط عليه، وكلما ارتفع معدل القهر الذي يواجهه، وكان دائما يحدث نفسه عن رغبته في أن ينعم بالمعاملة ذاتها التي يعامل بها الغرب مواطنيه،.
كما أطلق أيضاً العنان لأفكاره وتصوراته لمجتمع خال من الديكتاتورية والقمع والإرهاب الفكري والسياسي.. مجتمع يحترم القيم والمبادئ الإنسانية ويعلي من شأن المواطنة، ولا يفرق بين أبنائه ويساوي بينهم في الفرص المتاحة، وينبذ التمييز والعنصرية والعصا البوليسية القمعية.
لكنه فجأة اكتشف أن هذه الصورة التي صدرها لنا الغرب ليست حقيقية، أو على الأقل تنطوي على ازدواجية، تتمثل في تطبيقها على مواطنيه في الداخل، وممارسة النقيض في الخارج، مثلما اتضح أخيراً في عدم إدانة الولايات المتحدة الأميركية للجريمة والمجزرة البشعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلية على شاطئ غزة، وراح ضحيتها العديد من الشهداء من أطفال ونساء، وإعلانها أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن النفس!!.
اي دفاع عن النفس والقذائف التي اطلقتها مدفعية البحرية الاسرائيلية - كما تقول وكالة الانباء الفرنسية- هي ما تلقته العائلات الغزية التي اختارت التنزه قرب الشاطيء في يوم الجمعة طلبا لبعض الراحة.
وتضيف: كان الموت من نصيب عائلة غالي التي لم تكن تنوي سوى الاستمتاع قليلا بالشاطيء والرمال، فقتل الاب علي، والام رئيسة وابناؤهما الثلاثة الذين تبلغ اعمارهم سنة ونصف السنة وثلاث وعشر سنوات. ولم يبق من هذه العائلة سوى الابنة الكبرى سماح وعمرها عشر سنوات كانت تستغيث لطلب النجدة.
هنا السؤال يطرح نفسه: لماذا يهين الغرب الإنسان العربي من خلال دعم المحتل الصهيوني والدفاع عن جرائمه ضد الشعب الفلسطيني؟
هناك من وجهة نظرنا، أكثر من سبب لهذه الازدواجية التي يمارسها الغرب، أهمها أن الإنسان في الكثير من الأقطار العربية، يعيش في مناخ غير ديمقراطي، ويتعرض بشكل مباشر للإهانة وعدم الاحترام. ولا يحصل على حقوقه التي يكفلها له الدستور، ويتم الاستهتار باختياراته والتلاعب بها، وفرض نماذج سياسية بعينها عليه، دون أن يمتلك حق الرفض أو حتى القبول.
كذلك إن الإنسان العربي - من وجهة نظر الغرب - ينتمي إلى مجتمعات ضعيفة، لا تملك القدرة على رد الصفعات والإهانات.وذلك لتفرقها وتشرذمها وانعدام التعاون المشترك بينها، وعدم الاتفاق على قرار واحد ورؤية واحدة في مواجهة التحديات والأزمات التي تعترض طريقها وتعرقل تطورها وتقدمها ومسيرتها.
لذا فإنه عندما يهين الغرب هذا الإنسان، ويلهب جسده بالسياط، فإنه يعتبر ذلك أمراً حضارياً و طبيعياً لا جديد فيه، بل انه طقس يومي يمارس ضده في العديد من الدول العربية، وبالتالي فلا داعي للخجل أو محاولة إخفاء مثل هذه الممارسات، التي تتنافى مع القيم الإنسانية التي يعتبرها حقاً لمواطنيه فقط.
من هنا فإننا نعتقد أن الرد على جريمة الشاطئ وفرض كرامة واحترام هذا الإنسان العربي على الآخرين، يتطلب أولاً حماية حقوقه في الداخل، وعدم الاستهتار باختياراته، وإتاحة الفرصة له لينعم بالحرية والديمقراطية الحقيقية، التي تصون كرامته وآدميته وحقه في الحياة.