يقول المرشح محمد الصقر في ندوته التي سجلتها «القبس» في عددها الصادر يوم الخميس الثامن من يونيو الجاري، «بأن الكويت تعاني مأزقاً في الديمقراطية، وأن المأزق هو سبب التأزيم والتحجيم من جانب الحكومة ونواب المجلس».
والواقع أن المأزق الذي يتحدث عنه محمد الصقر ليس من الحكومة ولا من النواب وليس من الناخبين، وإنما من الدستور الذي جاء على شكل مواعظ فيها التنظير البعيد عن قواعد السياسة المتعارف عليها عالمياً، والمأزق الذي تعيشه الكويت لا يأتي من تدخلات ولا من المال السياسي ولا يأتي من عصبية النواب، وإنما يعود سببه إلى فقدان الشروط التي يجب توفرها لتصويب العمل السياسي في الكويت.
وليس سراً بأن الخشونة اللفظية التي نقرأها ونسمعها من جميع الأطراف، لا سيما من المرشحين، تصدر من ضيق يعود إلى الحالة الكويتية المأزومة دائماً، والتي لم تتم دراسة مقنعة لواقعها ولم تطرح بشكل علني من أجل العلاج الجماعي للواقع الملتهب.
هناك خلل كبير في الدستور الكويتي تعود إليه مسببات التأزم، والحديث عن قدسية الدستور ليس له معنى في ظل التوترات وانعدام الاستقرار. وربما من المناسب إبداء الملاحظات التالية:
أولاً: لا يمكن فصل الحكم عن البرلمان، ولا يمكن عزل السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية، فالبرلمان والحكومة وحدة لا تنفصل، والبرلمان هو امتداد للحكومة، ورئيس البرلمان تعينه الحكومة، وتخرج الحكومة من حضن البرلمان.
ولا يمكن فصل الهيئة التنفيذية عن السلطة التشريعية، فلا مكان لذلك في العمل السياسي، هذه قواعد العمل السياسي العالمي، غير أن واقع الكويت مختلف لأن الذين صاغوا الدستور الكويتي حاولوا جهدهم للخروج بصيغة ترضي الجميع وكأنهم يضعون مخططاً لبناء فيلا يرتاح فيها الجميع، الحكم والخصم والقاضي والنائب، بينما العمل السياسي الديمقراطي البرلماني لا يفصل السلطتين، لأن إدارة الحكم تخرج من حصيلة انتخابية تملك الأغلبية البرلمانية.
ولم تسجل التجارب الديمقراطية الإنسانية نجاح ممارسة انتخابية تكون فيها الحكومة من خارج البرلمان. وقد ظهرت مؤشرات التأزيم منذ بداية التجربة الديمقراطية في الكويت.
ففي عام 1964 انفجرت الأزمة الحادة في ديسمبر حول المادة 131، التي فسرها بعض النواب في ذلك الوقت بشكل يتعارض مع نص الدستور، أفرزت مقاطعة وأزمة حادة ما كانت تحدث في برلمان تتمتع فيه الحكومة بالأغلبية، ولأن الوضع السياسي الكويتي غير منطقي فقد سجلت تلك الحادثة بداية التطاول على سطوة الحكم الذي خرج مجروحاً بلا مبرر، وتبدلت الحكومة نتيجة للأزمة مع تسجيل بداية انحسار الهيبة.
ثانياً: يجب أن نعترف جميعاً بأن تلك الواقعة لم تنل من الدارسين والباحثين وحتى من الرأي العام تحليلاً موضوعياً من أجل تشخيص المسببات ومعرفة مواقع الخطأ لتحاشيها، وإنما سجلت كواقعة عادية جاءت كحصيلة سوء تفاهم بين الطرفين، بينما هي في الواقع حصيلة عيوب جوهرية في هيكلة الحكم، وكان من المفيد الوقوف عندها.
ويا ليت أهل النظام في ذلك الوقت سعوا للبحث عن المشورة في تحديد المسببات، لكن غياب الخبرة دفع الجميع نحو أسهل الحلول وهو تغيير الحكومة التي تعرض رئيسها إلى المقاطعة والإحراج.
يقول المرحوم الشيخ صباح السالم في خطاب استقالته المؤرخ في 28 ديسمبر 1964، بأنه بذل جهداً مضنياً لإنهاء تلك الأزمة المفتعلة، فلما ذهبت هذه الجهود سدى، حرص على التريث مع اطمئنانه إلى سلامة وضع الوزارة من الناحية الدستورية، كان ذلك عام 1964.
وما حدث مؤخراً في شهر مايو 2006 لا يختلف كثيراً في مسبباته عن أحداث الستينات، ولأن الحكومة لا تملك أغلبية برلمانية، فقد وجدت نفسها بلا غطاء دستوري عندما انسحب نواب التسعة والعشرين وهو الأمر الذي أدى إلى الحل.
كما أن نية النواب الآخرين استجواب رئيس الوزراء لو عارض الإحالة إلى الدستورية، وسنرى التأزم في الفصل القادم ما لم يتوفر غطاء الأغلبية الدستورية التي نراها في البرلمانات في العالم، ويستمر الوضع المتأزم الذي نشكو منه كلنا لأن البرلمان ليس جمعية خيرية وإنما سلطة قوية حددها الدستور الذي أعطاها النفوذ بلا قيود.
ثالثاً: في ضوء القوة التي يملكها البرلمان الكويتي والذي لا تقيده قواعد العمل السياسي بتوفير الأغلبية للسلطة التنفيذية، تسيد المجلس الميدان السياسي بالتشريع والفرص والتهديد والمساءلة والاستجواب، ومنها إلى الواسطة والإغراء والاسترضاء، ونسمع الآن من الندوات الساخنة بأن مساءلة رئيس الوزراء ليست مستبعدة إذا لم ينسجم مع شروط التسعة والعشرين أو شروط الجانب الآخر، وهنا يقول المرشح عبد الله النيباري في ندوته مساء الأربعاء السابع من يونيو الجاري:
«لن نسمح لرموز الفساد بسرقة الأحلام، وأن الشعب راض بالمادة الرابعة من الدستور، ولكن نريد المادة السادسة التي تنص على أن السيادة للأمة».
بينما يقول المرشح أحمد السعدون ـ في نفس الندوة ـ «بأن الحكومة ستجد كل التعاون إذا تعاونت، ولكن إذا استمرت في موقفها فيجب استجواب رئيس الوزراء».
رابعاً: أعتقد لعلاج الوضع الذي يحمل بذور التأزيم الدائم، يمكن الاتفاق على خلق البيئة الوطنية الكويتية المناسبة لحقائق الدستور، الذي أعطى البرلمان حق التشريع وحرم الحكومة من الأغلبية الضرورية لممارسة الحكم.
وذلك من خلال التنظيم الحزبي الذي يعطي لأهل الحكم حق تشكيل حزب أو تجمع سياسي على طريقة الحركة الدستورية والمنبر الديمقراطي، مع رفع القيود عن التجمعات السياسية والاعتراف بها، وإذا تعذر ذلك لمسببات كثيرة، فلا بد من الاتفاق على صيغة تحمي البلد من استمرار التأزم، وتعطي الحكومة حقوق ممارسة الحكم الذي انحسر عنها منذ أزمة 1964 بسبب افتقارها للغطاء الدستوري.
علينا الإدراك بأن الذين وضعوا دستور الكويت في بداية الستينات لم يتصوروا تسلل الأيدولوجيات ولا بروز التجمعات المرتبطة بالأحزاب الخارجية الأخرى، مثل الإخوان المسلمين وحركة الناصريين والقوميين العرب والبعث، إنما صاغوا البنود لواقع كويتي خيري خالص.
بينما الواقع تبدل كثيراً وصارت الحركة الدستورية عنصراً مؤثراً تنظيمياً ووجوداً، وستأتي تجمعات أخرى لها ارتباطات وأجندة مختلفة عن القول الذي نردده حول الأصالة الكويتية والوحدة الوطنية، وكما يقولون فإن حزب الله وحزب السلف والجهاد كلها أحزاب متواجدة على الساحة.
وتأتي الندوات كلها تهديدات واتهامات تحمل مؤشرات بأن المستقبل سيكون ساخناً جداً وصعباً، ونقول بأن ذلك مرده إلى الضعف البنيوي في الدستور، ولا بد من العلاج.
كاتب كويتي
Abdullah_bishara@yahoo.com