في الوقت الذي يسعى فيه الفلسطينيون الى التوصل الى توافق فيما بينهم حول سبل التعامل مع الاوضاع المتردية على نحو متزايد داخل الاراضي الفلسطينية والعمل على تجاوز أية صعوبات وخلافات بدأت تهز بعنف الاستقرار على الساحة الفلسطينية والعلاقات بين الفصائل الفلسطينية خاصة بين حركة حماس ومنظمة فتح ، فإنه لم تكن مصادفة على أي نحو ان تلجأ اسرائيل الى التصعيد الخطير والمتواصل لعمليات الاغتيال للقيادات الفلسطينية وللقصف العشوائي لمناطق التجمعات السكانية في وسط المدن وعلى الشواطئ التى تغص بالمدنيين والاطفال وهو ما أدى الى مجازر حقيقية في غزة استنكرتها كل الدول والشعوب الحريصة على السلام والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

نعم تحاول اسرائيل زيادة الارباك وخلط الاوراق وإحداث اكبر قدر ممكن من الفوضى في الاراضي الفلسطينية على امل ان يؤدي ذلك الى تعميق الخلافات الداخلية وإحداث انشقاقات بين الفصائل الفلسطينية وبما يستنزف قواها ويشغلها عن اهدافها الأساسية وذات الاولوية وهي استعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة وتطبيق قرارات الشرعية الدولية.

ولكن السؤال هو هل ستستجيب الفصائل الفلسطينية لتلك المحاولات المفضوحة وبالغة الخطورة على الجانب الفلسطيني ايضا ؟

وإذا كان من المؤكد ان الاوضاع في الاراضي الفلسطينية هي في النهاية محصلة تفاعلات عديدة ومتنوعة فلسطينية واسرائيلية واقليمية ودولية، فإنه يمكن القول إن الدفع الاسرائيلي للأوضاع الفلسطينية نحو الانفجار لن يكون في مصلحة اسرائيل في النهاية، ليس فقط لأنه من غير الممكن عمليا أن يتحقق الامن الاسرائيلي في ظل انفجار الاوضاع الفلسطينية مهما اتخذت اسرائيل من اجراءات أمنية مشددة، ولكن ايضا لأن الانفجار في الاراضي الفلسطينية ليس هو المناخ أو الظرف المناسب لتطبيق خطة الفصل والتجميع التي تسعى حكومة أولمرت الى تطبيقها في الاراضي الفلسطينية خاصة وان هذه الخطة لا تزال موضع جدل حتى داخل اسرائيل.

أما التصعيد الحاد والاجرامي للممارسات الاسرائيلية ضد الفلسطينيين فإنه يؤدي فقط الى زيادة التمسك الفلسطيني بالارض والحقوق من ناحية، وإلى احداث تحول في مواقف قطاعات متزايدة من الفلسطينيين نحو التشدد والابتعاد عن المرونة في التعامل مع اسرائيل التي لم تترك لهم الفرصة أو الأمل في حياة افضل في دولة مستقلة على ارضهم في اطار تسوية سلمية شاملة ودائمة من ناحية ثانية.

من جانب آخر فإنه من غير الممكن افتراض ان السلطات الاسرائيلية لم تقدر العواقب والنتائج التي يمكن ان تترتب على التصعيد والمجازر التي تمارسها بشكل دائم ومتواصل ضد الفلسطينيين، فالسلطات الاسرائيلية تعلم تماما ان هجماتها ضد المدنيين العزل سوف تؤدي إلى قيام العديد من الفصائل الفلسطينية بمعاودة الهجمات ضد المستوطنات الاسرائيلية وربما القيام بعمليات داخل بعض المدن الاسرائيلية. ومن شأن حدوث ذلك ان يوفر لاسرائيل فرصة الزعم بعدم وجود شريك فلسطيني للتفاوض حول سلام لا ترغبه هي من ناحية.

كما انه يؤدي إلى تآكل سلطة وقدرة الرئاسة الفلسطينية على السيطرة على الاوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة من ناحية ثانية، فضلا عن انه يبرر أو على الاقل يخفف من الانتقادات التي تتعرض لها اسرائيل بسبب سياساتها وممارساتها من ناحية ثالثة. هذا الى جانب ما قد يصاحب ذلك من آثار على صعيد العلاقات بين الفصائل الفلسطينية كما سبقت الاشارة الى ذلك.

وعلى أية حال فإنه بغض النظر عن الحسابات الاسرائيلية، فإن مسؤولية كبيرة تقع في الواقع على عاتق القيادات والفصائل الفلسطينية وخاصة قيادتي حماس وفتح لافشال المحاولات الاسرائيلية والحفاظ على التماسك الفلسطيني ولا مجال للفشل في ذلك.