الزرقاوي شخصية تحدث عنها رؤساء دول كبرى، طاردته العيون والأنوف التي تبحث عن رائحة مكانه، ومخابئه المتعددة، نعاه وبكاه مؤيدوه، وأطلقت البنادق والرشاشات رصاصاتها ابتهاجاً بمقتله، وحتى المتعاطفين معه، ترحموا عليه، ولم يذكروا قتلاه وضحاياه، لكن هل الرجل أسطورة فعلية يتمتع بعبقرية الشر، أم أن وسائل الإعلام التي تكبر الصغائر، هي التي وضعته في هذه الدرجة من الشيوع، تبعاً للبحث عن مثير، أو الذهاب باتجاه القوى الكبرى التي لا تنجح بترويج سياساتها، إلا بإيجاد عدو بوزن كبير، سواء كانت دولة، أو منظمة أو شخصاً؟..

كثيرون هوّنوا من حدث قتله، واعتبروه مجرد مشارك في مذابح الطرق ولن يزيل التوترات، أو وقف تفخيخ السيارات، وإطلاق النيران على العابرين والآمنين، لأنه جزء من الأزمة لا كلها، وآخرون نظروا إليه بأنه مفجر أزمات ونافخ في بوق الطائفية..

أما الذين لديهم تصور بعيد، فقد اعتقدوا أن الانتصار بقتله، انتصار ترويجي واعلامي للذين تورطوا في مستنقع العراق، وأنه جملة غير مفيدة في الأزمة كلها، وإن كان جزءاً منها، وبافتراض أنه داعم للإرهاب وأحد مكوناته، فقد تعارضت الآراء حول هذه الذبيحة الدسمة، بنظر البعض، والضعيفة عند البعض الآخر..

فالذين يتصورون بنهايته تبدد طالبان العراق وانكسارها، يعتمدون على كارزما الزرقاوي وقيادته، إلى جانب شهرته، والعجز عن إيجاد بديل يأخذ نفس الموقع الإعلامي، والقيادي، وآخرون يرون أنه أوجد البدائل والدليل أن القاعدة انتشرت، ومعها قيادات إقليمية وقارية، وحتى لو ضعف المركز، والقيادات العليا، فإن من تواجدوا في الصف الثاني قد تمرسوا وتتلمذوا على تلك الأساليب وقاموا بتطويرها..

كل تلك الاعتبارات والتعليلات لها نسب موضوعية لنظرات صحيحة أو مغلوطة، لكن حوادث الكثير من الحركات التي فقدت قادتها، أدت إلى تمزقها مثل (جيفارا) في بوليفيا، إذ بمقتله انتهت ثورته، وأيضاً حتى بالنسبة للقاعدة بقتل القيادات المحلية، ضعفت قواعدها وتكتيكاتها، وأكبر مثل ما حدث في المملكة لتلك العناصر، بالمقابل بات زعيم فيتنام (هوش منه) ولم يتغير أسلوب الحرب وانتصاراتها، بمعنى أن القياس يبقى لما بعد زوال هذه القيادات ومدى تأثيرها، وهو التقويم الذي تبنى عليه الآثار السياسية والاجتماعية..