يقول الخبر: «ذكرت مصادر أمنية ودبلوماسية أن قوات السلطة الفلسطينية وحماس توسعان ترسانتيهما من الأسلحة.. مما يزيد من احتمال أن تتحول المواجهة بينهما إلى مواجهة دموية»، ويضيف «ان أسعار الأسلحة والذخيرة ارتفعت في السوق السوداء» وتزدهر عمليات التهريب «بعشرات ملايين الدولارات واليورو»، فالبندقية «ارتفع سعرها من 5400 دولار إلى 13 ألف دولار»!
لأول وهلة يعتقد قارئ الخبر أنه ربما يقرأ خطأ، أو أن الخبر قد جرى تحريره بصورة خاطئة، وعندما يتأكد من صحة الصياغة، يميل إلى الاعتقاد بأنه مدسوس، لتأجيج التوتر والعداء بين «فتح» و«حماس»، وإلا فهو مفبرك، بغرض تشويه السمعة الفلسطينية، والإساءة إلى القضية، فالمرء لا يريد ولا يرغب تصديق مثل هذا الكلام، تصديقه معناه أو حصيلته أن الساحة الفلسطينية ماضية بإصرار وعزم إلى الانتحار، وهذا ما لا يحتمله العقل ولا يطيق سماعه.
الخلافات السياسية بين أطراف الخندق الواحد قد تؤدي أحياناً إلى مواجهات واقتتال، والساحة الفلسطينية بظروفها وطبيعة الاحتلال وخططه التصفوية الزاحفة، لا تحتمل وصول الأمور إلى هذه النقطة، وحتى في أسوأ الحالات، لو كان لخلافاتها أن تؤدي بها إلى صدام ما، فعلى الأقل ألا يحصل في هذه اللحظة.
كيف يستقيم حصول «سباق تسلّح» فلسطيني ـ فلسطيني، مع كل ما ينطوي عليه من استعداد محكوم بالوصول إلى نهاياته الدموية الكارثية، في الوقت الذي يشتد الحصار الخانق على الشعب الفلسطيني وتتصاعد الحملة الدموية الإسرائيلية ضد قياداته ومدنييه.
الأيام الأخيرة حملت تصفياتها صورة مفجعة، كماً ونوعاً. الضحايا المدنيين ومن بينهم أولاد، تجاوز الدزينة بعملية واحدة، وما يعزّز المخاوف وصحة سباق التسلح، ليس فقط الخلفية واحتقاناتها وصداماتها الأخيرة.
بل أيضاً تصاعد التحدي في الخطاب المتبادل، مع الأجواء المحمومة التي تشير إلى اندفاع الأطراف نحو منازلة يدفع نحوها التسمر عند المواقف والشروط المتضاربة، والرئيس الفلسطيني حدّد يوم 31/7 لإجراء الاستفتاء، على أرضية أن الخلافات السياسية وصلت إلى مأزق ولا مخرج إلا بالرجوع إلى الشعب الفلسطيني ليقرر بشأنها، و«حماس» رفضت الحيثية ودعت إلى العودة للحوار؛ محذرة من انقسام خطير قد يتسبب به استفتاء «لا يبرره القانون والدستور» كما تقول.
كل ذلك مفهوم. لكن ما ليس مفهوماً ولا بالطبع مقبولاً، أن يترافق الجدل حول الخلاف والمخرج بتكديس الأسلحة في المخازن وبأي ثمن ـ علماً أن الوضع المالي الفلسطيني في حالة شبه إفلاس باتت معه لقمة المعيشة وحبة الدواء صعبة أو شبه مستحيلة المنال ـ تفرضه السوق السوداء، ولا تفسير لذلك سوى أن الأطراف قررت الاحتكام للسلاح!
واذا كانت الحال كذلك فالوضع الفلسطيني يكون قد أصيب بالزوغان القاتل وتتجه قواه إلى التناحر وفي اللحظة التي تتعرض ساحتها للنحر على يد الاحتلال، الذي يتنعم بالحالة المفجعة التي بلغها هذا الوضع وهذا لا يعني عملياً إلا التواطؤ مع العدو ضد الذات.
وإذا كان من الجائز الاختلاف في الطرح والنهج في كل حالة وفي كل أوان، فهل يجوز أن تنجرف الأطراف الفلسطينية وراء سياسة الحسم المؤدي ـ عملياً أيضاً ـ إلى مكافأة إسرائيل على احتلالها واغتصابها وعدوانها غير المتوقف على الشعب الفلسطيني؟ كيف يمكن التبرير والتسويغ لأية مواجهة يعرف الجميع حجم كارثيتها وحصيلتها؟
القوى الفلسطينية أمام ربع الساعة الأخير، حكم التاريخ يتوقف على قراراتها في هذه اللحظة، وكذلك يتوقف عليها مصير القضية وإلى حين، وحتى تستقيم الأمور وتتراجع عن حافة الهاوية، فلا بد من وقف سباق التسلح وإطلاق السباق نحو بناء الوحدة الوطنية.