إنها «رسالة بوش» رداً على رسالة أحمدي نجاد، هكذا يفهم القرار الأميركي بالاستعداد للتفاوض المباشر مع إيران في المسألة النووية التي تبدو وكأنها «أم المسائل» طالما استمر التعايش الأميركي الإيراني في العراق رغم أنه يزداد صعوبة مع الوقت.

التفاوض المباشر ضمن صيغة متعددة الأطراف، أطراف مؤتمر فيينا السداسي أساساً، سيسمح دون شك لواشنطن وطهران لتناول المسائل الأخرى التي يزيد في تعقيدها الملف النووي وتزيد هي في تعقيداته. ما يجمع بين الرسالتين هو الاستعداد للحوار المباشر مع الآخر أياً كانت الشروط التي قد تبدو تعجيزية في البداية وهي ليست سهلة بأي حال.

«الرسالة الأميركية»، التي أعطت طهران لمنتصف يوليو تقريباً كأقصى حد للرد، وهو موعد انعقاد قمة الدول الصناعية الثماني في روسيا، تحمل عدة رسائل متعددة الاتجاهات:

أولاً: انها نهاية الحرم على التفاوض مباشرة مع طهران وسقوط «تابو» أساسي في السياسة الأميركية والقبول الضمني مع صعوبة الاعتراف بذلك علناً لاعتبارات معنوية وتفاوضية بوضع حد لخيار اللاخيار العسكري والتحول الكلي إلى الدبلوماسية بمختلف أدواتها التحفيزية والإكراهية والعقابية الممكنة والمحتملة.

ثانياً: مشاركة واشنطن في صياغة حزمة الحوافز المختلفة التي أعدت في اجتماع فيينا يعني التزاماً أميركياً مباشراً بإسقاط نظرية «تغيير النظام» بالضغط الخارجي فقط والتحول إلى تنظير لتمرير هذا التحول بالتغيير عبر «فتح النظام» على العالم فالإغراء وليس الإكراه عبر الانفتاح والانخراط وليس الحصار قد يكون عنوان التغيير على المستوى النظري وربما العملي لاحقاً.

ثالثاً: تأكيد أنه لم يعد من الممكن التلويح بالخيار العراقي لسببين «عراقيين» أولهما دروس وعبر «المستنقع العراقي» الحاصل فالحرب ضد إيران أصعب بكثير من الحرب التي قامت ضد العراق كذلك الأمر فيما يتعلق بالمقارنة بين الحالتين بشأن سيناريو ما بعد الحرب وثانيهما ازدياد صعوبة الوضع وتعقيداته بعد قيام الحالة العراقية الجديدة مقارنة مع الماضي أو مرحلة ما قبل الحرب على العراق.

رابعاً: القبول الأميركي بحق إيران بامتلاك طاقة نووية مدنية وواشنطن كانت ترفض ذلك ولو ان هذا القبول مرتبط بشروط عديدة منها ان لا يتعدى مستوى التخصيب لاحقاً العشرين بالمائة كما تحدده الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حتى لا يتحول للاستعمال العسكري.

خامساً: رسالة ثلاثية داخلية وخارجية صديقة أولها ان «الحمائم» بقيادة وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس قد تغلبوا على الصقور بقيادة نائب الرئيس ديك تشيني بعد صراع حول السياسة الإيرانية ازداد حدة بشكل كبير في نهاية الشهر الماضي.

وثانيها أن الإدارة قد تجاوبت أخيراً مع الدعوات والانتقادات المتزايدة من مختلف أوساط المؤسسة الاستراتيجية والسياسية والفكرية وثالثها أن واشنطن قد تجاوبت مع إلحاح ونصائح الأصدقاء وصارت أكثر إصغاء لهم، مع أن ذلك كله يخدمها أيضاً في شراء «الوقت» وترميم موقفها الدولي ضد إيران.

سادساً: تقييد الصين الشعبية وروسيا الاتحادية في موقف مشترك ضرورة لصيانة الإجماع المطلوب لتوجيه رسالة حازمة إلى إيران على أساس المعادلة التالية أن وحدة الموقف الدولي على أساس مقترح واضح تساهم في حدوث انقسام في القيادة الإيرانية.

وبالتالي في تعزيز احتمال دفع هذه الأخيرة لإعادة النظر في موقفها في حين ان انقسام الموقف الدولي يعزز توحد الموقف الإيراني في سياسته الراهنة كما ترى واشنطن. ويبدو أن التفاهم الحاصل في إطار مؤتمر فيينا هو أن روسيا والصين الشعبية قد تمتنعان عن المشاركة في العقوبات ضد إيران لو كانت هنالك حاجة لذلك لاحقاً ولكنهما لن تمنعان صدور عقوبات ضد طهران.

ويبدو أن الأزمة دخلت مرحلة «ما قبل المفاوضات» مع تحولها فيما يعرف في أدبيات المفاوضات من لعبة محصلتها صفر، اللعبة القائمة على الخسارة الكلية أو الربح الكلي إلى لعبة تعرف بلعبة الأهداف المتقاطعة حيث يمكن أن يكسب طرفاً اللعبة معاً من هذه الأخيرة أو يخسرا معاً مما يشجع على التعاون بينهما.

قد نشهد حالياً بداية رحلة الألف ميل، رحلة الانفراج في العلاقات بين واشنطن وطهران، وهي رحلة لا خيار آخر غيرها رغم مطباتها وصعوبتها وتعقيداتها والحواجز العديدة التي تعترضها.

كاتب لبناني