كان على رأس أولويات الحملة الانتخابية لحركة «حماس» ملاحقة الفاسدين من كبار المسؤولين في السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير وفصيل «فتح».

لكن الآن وبعد أن وجدت حكومة حماس أنها تناضل من أجل البقاء في مواجهة حرب سياسية وأمنية متصاعدة تشنها عليها قيادات السلطة ومنظمة التحرير وفتح وكذلك اسرائيل والولايات المتحدة فإنها اضطرت إلى تأجيل فتح ملف الفساد. ويبدو أن أحد أهداف حملة فتح ضد حكومة حماس افتعال ستار دخاني لصرف انتباه الحكومة عن التحقيق في ممارسات الفساد.

قيادة فصيل فتح هي نفسها قيادة السلطة الفلسطينية وقيادة منظمة التحرير وقصص الفساد المالي لمدى الاثنتي عشرة سنة الأخيرة منذ تدشين السلطة كثمرة لاتفاق أوسلو يمكن أن تملأ العديد من المجلدات، لكن مجلة «ميدل ايست» أوردت في عددها الأخير عن يونيو 2006 ملخصاً يعطي فكرة عامة عما كان يجري.

ابتداءً تنقل المجلة عن مصدر قانوني فلسطيني أنه خلال السنوات الأخيرة تقدر المبالغ التي بددت أو سرقت بنحو 700 مليون دولار وأن الكثير منها نقلت إلى حسابات مصرفية خاصة، لكن ممارسة الفساد المالي كانت من الاتساع بحيث يمكن القول بأن الأموال التي اختلست قد تبلغ في الحقيقة مليارات الدولارات. ومن بين أبرز عمليات الفساد تلك العملية التي يطلق عليها «فضيحة الأسمنت».

بدأت هذه العملية في أوائل عام 2003 عندما عرضت مصر بيع السلطة الفلسطينية 42 ألف طن أسمنت بأسعار مخفضة من أجل دعم الاقتصاد الفلسطيني. وكان من المقرر ان يستخدم الأسمنت في إعادة بناء منازل خربة للمواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة.. وكذلك إعادة بناء المنازل والمنشآت التي دمرتها هجمات إسرائيلية.

وتمضي المجلة إلى القول ان عدداً من كبار المسؤولين في السلطة الفلسطينية تحصلوا على ترخيص من وزارة الاقتصاد التابعة للسلطة الفلسطينية لاستيراد الأسمنت.. ثم عمدوا فوراً إلى بيعه لإسرائيل!

ويقول أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني ان الإسرائيليين استخدموا الأسمنت بدورهم في بناء جدار الفصل الذي يستهدف من ورائه ضم أراض فلسطينية في الضفة إلى إسرائيل، بل وهناك اتهامات بأن أحد وزراء السلطة متورط على نحو آخر.

حيث ان لدى أسرته مصنع أسمنت، وان هذا المصنع كان يمد شركات إسرائيلية بأسمنت لاستخدامه في بناء المستوطنات اليهودية المحيطة بالقدس الشرقية. وتبقى بالطبع قصة تركة عرفات التي تكتنفها تساؤلات معقدة.

الثروة التي تركها أبو عمار في سلسلة حسابات مصرفية يقال إنها تقدر بمليارات الدولارات باسم منظمة التحرير أو باسم السلطة الفلسطينية أو حتى باسمه الشخصي.

بضعة أفراد فقط من خلصاء عرفات المقربين هم الذين يعرفون تفاصيل أسرار شبكة حساباته المصرفية.

والسؤال الأكبر الذي ينبغي أن يطرح هو: متى تتحرر حكومة حماس من الحصار المضروب عليها داخلياً وخارجياً لتتفرغ لملف الفساد؟