الذهاب إلى الشعب هذا هو القرار الصائب الذي اتخذه الرئيس الفلسطيني محمود عباس لإجراء استفتاء على وثيقة الوفاق الوطني التي اعدتها قيادات فلسطينية من داخل السجون الاسرائيلية، فقد فشل الحوار بعد عشرة أيام من الاخذ والرد في التوصل الى صيغة تحقق وحدة الموقف الفلسطيني من العملية السياسية.
اللجوء الى حكم الشعب الفلسطيني امر ضروري لأن غالبيته هي التي انتخبت حركة حماس وعليه الان ان يقرر ما إذا كان سيمضي قدما في دعم تلك الحركة الرافضة لمنطق التفاوض والاعتراف بالجانب الاسرائيلي أو إنه سيحكم بطريقة مختلفة في ضوء وعيه بطبيعة الصراع وفهمه لمعنى التناقض الحاصل الان على مستوى السلطة واثره على مستقبله وتوازنات قضيته.
قد تكون للسيد عباس دالة على شعبه الذي سبق وان انتخبه ايضا بنسبة تزيد قليلا عن 60% ، ولكن الموقف النهائي بشأن الموقف من اسرائيل ومفاوضات السلام والتعامل مع الادارة الاميركية والاتحاد الاوروبي وغيرها هي في يد الشعب الفلسطيني كليا هذه المرة خاصة وان فوز حماس في الانتخابات التشريعية لم يفهم منه بانه تأييد مطلق لموقفها من اسرائيل وانما رغبة اكيدة في الاحتجاج على حركة فتح التي اتهم بعض رموزها في السلطة بالفساد ، ورد فعل على العدوان والصلف الاسرائيلي.
من المستبعد جدا ان يصوت الفلسطينيون ضد الوثيقة التي يعرفون ان الاسرى هم الذين صاغوا بنودها بما في ذلك البند المتعلق بالاعتراف باسرائيل ، ولكن لو حدث وفعل الشعب الفلسطيني ما ليس متوقعا فسيكون ذلك قلبا للموقف رأسا على عقب ، ولن يكون من السهل استيعاب ما يترتب على تطور من هذا النوع.
هل سيتغير شيء الى حين موعد الاستفتاء في نهاية شهر تموز المقبل؟ اي هل ستعيد حركة حماس النظر في موقفها الرافض لمبدأ اللجوء الى الشعب مع انه هو الذي انتخبها وضمن آلية ما كان لها ان تكون لولا اتفاق اوسلو الذي ترفضه ايضا؟
هذه الاسئلة وغيرها تبعث على القلق لأن ما يجري سيدفع احد الطرفين الى الخروج من السلطة ، ومع وجود اسلحة مشروعة وغير مشروعة في أيدي متنافسين على السلطة وليس على التحرير فإن احتمالات العودة الى الاقتتال واردة جدا خاصة وان اسرائيل تملك من الادوات ما يكفي لاشعال فتيل ذلك الاقتتال.
يجب ملاحظة ان الرئيس عباس وحلفاءه يسعون الى الخروج من المأزق الذي يضع الموقف الفلسطيني في زاوية مقفلة أمام الدول الداعمة التي تشكل دفعاتها المالية معظم ميزانية السلطة فضلا عن المشاريع والهبات والمعونات الهادفة الى تحسين نوعية حياة الأغلبية الفقيرة والعاطلة عن العمل في الاراضي الفلسطينية ، وفي المقابل فإن اسرائيل حريصة على الا يصدر من عند الفلسطينيين اي موقف يستحق الترحيب من الدول الغربية او يدفع في اتجاه العودة الى المفاوضات تحت اي ظرف من الظروف.
إذا أرادت الاطراف الفلسطينية الراسبة في الحوار الى درجة عدم تقدير حجم الخطر القادم على القضية الفلسطينية وعلى المنطقة ان تعرف حصيلة هذه التجربة التي تمارسها من خلال الحوار الفاشل أو التراشق بالرصاص من وقت لآخر والتناقض في التعامل مع بعضها البعض ومع قضية شعبها ومع خصمها ومع المجتمع العربي والدولي الذي يكاد يفقد ثقته فيها فإن عليهم ان ينظروا في اعين شعبهم الحزينة واعين عدوهم الفرحة ثم فليواجهوا الحقائق.