من الثابت أن عملية التنمية الشاملة في أي مجتمع من المجتمعات قد تفقد أهم عناصر نجاحها ، وتأخذ طريقها إلى الفشل إذا هي انفصلت عن قيم الناس، أو سبقت مراحل تطورهم أو ان تخلفت عن تلبية طموحاتهم، أو إذا اعتمدت على النماذج الغربية الجاهزة للتنمية والمصدرة من تجارب لها قيمها المغايرة ، لأن الإنسان ليس مجرد كائن بيولوجي مجرد وإنما لأنه شخصية ذات مرجعية وأهداف يشكلها الدين والثقافة والموقف السياسي والبيئة والمجتمع.
ومع الاعتزاز بالمرجعية الحضارية العربية والإسلامية ،فإن ذلك لا ينبغي أن يكون دافعا إلى التعصب والانغلاق على متطلبات التطوير والتحديث، بل على العكس فإن هذه المرجعية ذاتها تشكل دافعاً مضاعفاً للانفتاح على كل ما يتلاءم مع متطلبات تقدمنا من علم وتكنولوجيا وتجارب لدى الآخرين.
ذلك أن مرجعيتنا الحضارية العربية والإسلامية التي أسهمت في بناء الحضارة الإنسانية في الماضي هي القادرة بعدة شروط على إصلاح الحاضر والسير بثقة نحو المستقبل، بما تبشر به من قيم دافعة إلى العلم والعمل والإبداع في إطار من الحرية والمسؤولية.
على أنه ينبغي ونحن نسعى لتطوير الحاضر في الطريق إلى المستقبل ألا نتجاهل التحديات الكبرى التي تعترض سعينا للتطوير والتنمية، فإذا كان أهم شروط التنمية الشاملة هو استقلال الوطن، وسيطرة شعبه على ثرواته وإرادته الوطنية، فإن حرية المواطن ومشاركته في الثروة والسلطة الوطنية هي أحد هذه الشروط.
ومع ذلك فإن التحديات الخارجية الدولية والإقليمية تطبع تأثيراتها السلبية على قدرة دول الخليج العربية على احداث التطوير أو التغيير المطلوب.
وحيث لا قدرة على التنمية المزدهرة دون استقرار أمنى داخلي وخارجي ،فإن الأزمات والقضايا الإقليمية المحيطة بمنطقة الخليج من شأنها أن تنعكس سلباً على فرص تحقيق الاستقرار والأمن الإقليمي، وبالتالي على القدرة على إحداث التطوير المطلوب أو التغيير المنشود.
وهنا لا نستطيع تجاهل التأثير السلبي لاستمرار القضية الفلسطينية بغير حل عادل حتى الآن، مع تصاعد العدوان الهمجي الإسرائيلي الرافض للاستجابة إلى كل القرارات الدولية ولكل مبادئ الشرعية الإنسانية التي تكفل حقوق الشعب الفلسطيني في العودة والاستقلال والأمن.
كما لا يمكننا تجاهل التأثيرات السلبية لاستمرار الأزمة العراقية في ظل الاحتلال الأنجلو أميركي، وفى ظل انعدام الأمن والاستقرار، ومخاطر تفاقم الأزمة السياسية ذات الأبعاد الطائفية إلى اقتتال أهلي، لا سمح الله، ولا التغافل عن التأثيرات السلبية المحتملة على المنطقة أمام التطورات الدولية والإقليمية المتعلقة بالقضية النووية الإيرانية والتي قد تنذر بمواجهة إسرائيلية أميركية ـ إيرانية خطيرة، مع ما يبدو في الأفق من الانفراج في الأزمة.
ومن الخليج إلى المتوسط، تتلاقى هذه الأزمات مع ما يراد من لبنان ضد الاستقلال الحقيقي للبنان ،وضد مقاومة لبنان للاحتلال الصهيوني وللمشروع الأميركي الدولي المسمى بالشرق الأوسط الكبير، ولما يراد من لبنان ضد عروبة لبنان وضد صمود سوريا..
وما لم تحل هذه القضايا العربية المحيطة بالخليج العربي والمنتجة لمشروعية المقاومة، ومن أسباب لتفجر الإرهاب، بشكل عاجل وسلمي وعادل، فإن التغيير المنشود في المنطقة ، قد يتحول إلى تغيير في اتجاه سلبي، وقد تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة بين القوى الدولية المختلفة مما يلقى بظلاله على أمن الخليج العربي.
وهنا يبدو ضرورياً التأكيد على أن الوصول إلى حالة من الأمن والاستقرار اللازم للتنمية الشاملة، والذي يمثل شرطاً أساسياً سواء للتطوير أو للتغيير الإيجابي، يتطلب توافقاً إقليمياً وتكاملاً عربياً وإسلامياً، وحواراً عربياً غربياً واسعاً للتعاون الإقليمي والدولي من أجل الاستقلال الوطني، والأمن الإقليمي والرخاء العالمي، بعيدا عن التدخلات والضغوطات والإملاءات الخارجية على دول المنطقة التي تعرقل مسيرتها في اتجاه التغيير أو حتى التطوير.
وفى الطريق إلى تحقيق مزيد من خطوات التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي في منطقة الخليج العربي، وفى محاولة لاستعراض الأفكار التي تشكل محددات المسار لدى الباحثين الخليجيين والعرب، عكس مؤتمر «التحولات الراهنة ودورها المحتمل في إحداث التغيير في العالم العربي»، الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية مؤخراً في أبو ظبي، ما يمكن المتابع من قراءة عامة للرؤية المستقبلية، من خلال جلسات عمله ومداخلاته ومن حصاد رؤاه وتطلعاته.
حيث برزت في مداولات هذا المؤتمر ضرورة تطوير المؤسسات والمفاهيم السياسية باتجاه توسيع قاعدة المشاركة الشعبية، وتجديد آليات الممارسات السياسية في اتجاهات مؤسسية شورية بآليات ديمقراطية تستمد شرعيتها وشعبيتها من منابع داخلية ومرجعيات حضارية عربية وإسلامية، وتتفاعل مع مصادر إنسانية عالمية في سعيها لتحقيق الانسجام بين طبيعة ذاتها وروح عصرها.
وبدا واضحا أن التطوير والتحديث الذي بدأت دول مجلس التعاون الخليجية العربية في السير على طريقه في اتجاه تأكيد مبدأ الشورى وتطوير دورها بانتهاج آلياته الديمقراطية واعتماد من بين الانتخاب كإحدى وسائل الآليات الديمقراطية لتحقيق التمثيل الشعبي المؤهل للمشاركة في صنع القرار الوطني.
ورأى مشاركون أن هذا التطوير السياسي في اتجاه الديمقراطية بات يتطلب إعداد قوانين ملائمة لكل مجتمع خليجي، وعادلة في إشراك قوى المجتمع، كما يتطلب قوانين تؤكد استقلال وسيادة مؤسسة القضاء، وتزيد من مساحة حرية الصحافة المسؤولة، وتؤكد المساواة العادلة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون إقصاء أو تهميش لاعتبارات تتصل بالدين أو الجنس أو اللون أو المذهب.
ويلزم الإشارة هنا إلى أن العملية السياسية لابد أن تسير بالتوازي مع جوانب التنمية الأخرى في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث تتكامل هذه الجوانب جميعها لإحداث التنمية الوطنية الشاملة.
ولأن التعليم يبقى الأساس لإحداث هذه التنمية الشاملة، فإن الأمر يتطلب تطويرا شاملا في مناهجه ومصادره ووسائله بما يتواءم مع قيم ومبادئ مجتمعاتنا العربية، وبما يتلاءم مع احتياجات سوق العمل، وبما يتواكب مع ثورة العلم والتكنولوجيا، مع ضرورة الوعي بأن التنمية السياسية التي تهدف لتحقيق حرية المواطن والتي تأتي بعد تأكيد حرية الوطن في ملكية إرادته السياسية.
والسيطرة على مصادر ثروته والتعبير المستقل عن قراره الوطني، تتطلب التخطيط الواعي والمدروس للسير في عمليات تنمية متوازية في كافة المجالات، تنمية اقتصادية تهدف لرفع مستوى معيشة المواطن الفرد وكل عناصر المجتمع، وتوفير حق العمل لكل إنسان على أرض الوطن، لتمكينه من أداء واجبه في التنمية الشاملة لهذا الوطن بما حصل عليه من تعليم سلحه بكل ما يلزم لإحداث النهضة والتقدم من معارف وعلوم ومهارات وقيم.
إن ذلك من شأنه ليس فقط المساهمة في حل المشكلة السكانية في المنطقة، والقضاء على شبح البطالة التي باتت من أخطر التحديات في العالم العربي، وإنما أيضا تحقيق استثمار أمثل لموارد الثروة الوطنية والبشرية في زيادة صروح ومصادر الانتاج بما يزيد من معدلات النمو الاقتصادي وينعكس بالتالي إيجابيا على النمو في المجالات الأخرى.
والتعليم أيضا هو الأساس الضروري للقضاء على الأمية التعليمية والثقافية، وضمان حق العلم وحق العمل للمرأة وللرجل على السواء، ويفتح الباب واسعاً لنجاح عملية التنمية الثقافية التي هي أساس بناء الإنسان صانع كل تنمية وهدف أي تنمية.
إن السير في هذه الرؤى والتحولات من شأنه بالتالي أن يعيد هيكلة العلاقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج الاقتصادية والسياسية في تكامل بناء لحرية الوطن والمواطن في آنٍ واحد .
كما ان تأهيل المرأة الخليجية بالتعليم وإتاحة فرص العمل المناسب أمامها والتي قطعت فيها المجتمعات الخليجية شوطا كبيرا يضمن لهذه المجتمعات أمهات مسلحات بأهلية أعلى لبناء أسر أكثر استقراراً واستعدادا أقدر على تربية وإعداد أبناء الجيل الخليجي العربي الإسلامي الجديد بما يؤسس لمجتمعات أكثر استقرارا وأمانا.
ولأن الأسرة هي أساس المجتمع فإن توفير فرص العلم والعمل للشباب والشابات على السواء نجح في أن يحقق تغيرات إيجابية في البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع في اتجاه رفع مستوى التنمية الاجتماعية.
في النهاية. . بقي القول ان ما تتطلع إليه شعوب المنطقة الخليجية العربية من طموحات للتحديث والتطوير، وللتكامل الإقليمي مع المحيط العربي والإسلامي، للارتفاع مما هي فيه إلى ما ترنو إليه، لا يقلل من حجم ما شهدته دول الخليج العربي من تطورات وتحولات إيجابية خصوصا لدى الجيل الجديد.
إن اتجاه التغيير التدريجي في المجالات المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وما نتج عنه من حراك شعبي، في ظل ازدهار اقتصادي يوفر بعوائده الضخمة فرصة نادرة للوحدة الخليجية وللشراكة الخليجية العربية في التنمية المتكاملة، ويطبع طابعه الإيجابي على إنسان الخليج العربي الإسلامي الجديد.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com