يصر القادة السياسيون للشعب الفلسطيني على التأكيد في كل مناسبة أنه لن تكون هناك حرب أهلية أو حتى صدامات مسلحة بين الفصائل المتناحرة، وتظل مثل هذه التصريحات دائرة في حيز الأماني والآمال التي سرعان ما يكذبها حادث هنا وآخر هناك في الاراضي الفلسطينية وصل الى حد إطلاق الرصاص على امرأة حامل وزوجها وشقيقه في مكان ينبغي أن يكون مركز قيادات أمنية وهو مكان أمام مبنى الأمن الوقائي في غزة، وقد تكررت حوادث مثل هذه أودت بحياة أبرياء خلال مصادمات تقتضي الموضوعية في الطرح والتحليل أن يجري تصنيفها ضمن عوامل اندلاع اي حرب أهلية. وبالطبع كان لابد ان يصاب العرب بالانزعاج على وجه الخصوص باعتبار القضية الفلسطينية هي قضيتهم الاولى ورمز نضالهم من أجل حماية الحرية والاستقلال والكرامة العربية أمام هجمات شرسة لا ترحم ولا تقيم اعتبارا لأي قيم انسانية.
ويبدو أن المتآمرين على مصالح العرب والفلسطينيين خصوصا راحوا يزينون موقفهم على أنه موقف انساني يسعى الى دعم الحاجات الانسانية للشعب الفلسطيني الذي راح قادته يتقاتلون فيما بينهم تاركين قضيتهم السياسية نهبا للتمزق والانهيار، وكم من قضايا سياسية بهتت واضمحلت بفعل التركيز على القضايا الانسانية فهناك قضية الهنود الحمر الذين أبادهم الانسان الابيض واستولى على اراضيهم ثم حولهم الى اقلية تسعى المنظمات الانسانية الى تنظيم الحملات الرامية الى الحفاظ على تلك السلالة البشرية وتراثها من الانقراض، ومع ذلك نستطيع القول اليوم انها قد انقرضت بالفعل وذابت في الأغلبية الوافدة عبر البحار والمحيطات الى غير رجعة.
أما القضية الفلسطينية فقد دام النضال لصيانة معالمها قرناً من الزمان او يزيد دون ان يتقاتل أهلها إلا هذه الأيام حين اغراهم عدوهم بمناصب وكيانات سياسية لا تملك حريتها أو استقلالها، ومع ذلك تملك السلاح لتوجهه في وجه شقيق النضال ورفيق الدرب من أجل الاستقلال فكيف آل الحال إلى ما آل إليه، وكيف بعد ذلك يزعم زاعم ان بمقدوره التأكيد بأن الحرب الاهلية الفلسطينية أمر مستبعد؟
لقد كان المطلب من قبل ان يقوم حوار مع الاسرائيليين على بنود اتفاق الحل النهائي فإذا بنا أمام حوار فلسطيني ـ فلسطيني يراوح مكانه دون انجاز مطمئن، ثم كان المطلب من قبل اجراء استفتاء على تقرير المصير للشعب الفلسطيني حسب نصوص المواثيق الدولية، فإذا بنا أمام استفتاء للشعب الفلسطيني على الاختيار بين فتح وحماس، رغم انه سبق واختار فتح للرئاسة ثم اختار حماس للحكومة، وذلك على أمل توحيد جهود الفصيلين والمناضلين تحت رايتهما لخدمة القضية الأم.
وكان المشهد في الماضي يرسم جنازات الشهداء برصاص الاحتلال فإذا به يتحول الى مشهد جنازات الضحايا برصاص الأهل ورفاق السلاح.
اذا فالتصريحات لن تكون مقنعة الا اذا واكبها خطوات عملية تقوم على القواسم المشتركة والاتفاقات الواضحة على تقسيم المسؤوليات والاعباء في الجانب الفلسطيني لتكوين رؤية واضحة وجدول اعمال منظم يدحصن الادعاءات بعدم وجود مفاوض فلسطيني ومن ثم تجترئ اسرائيل على مزيد من الحلول الأحادية المدعومة اميركيا والتي لا تأخذ في الاعتبار المصالح الفلسطينية وأسس العدالة الدولية والشرعية القائمة على قرارات مجلس الامن والتفاهمات والاتفاقات التي لحقتها.
ان الآمال كبيرة في أن يعود الطرف الفلسطيني الى لملمة اوراقه ومد يد المصالحة بين ابنائه حتى يطمئن الشعب الفلسطيني وانصاره واعموه الى ان الاجيال الجديدة من الساسة واعون بأبعاد العمل السياسي ومتطلباته من أجل الصالح العام الفلسطيني.