ما كدنا نترحم على نسبة 999,99 حتى أعادها لنا السيد دونالد رامسفيلد وزير دفاع الولايات المتحدة الأميركية، فهذه النسبة مكروهة من كل شعوب الأرض التي عانت منها طوال علاقاتها بديمقراطية الاستبداد والقهر والبطش، خاصة في أزمان كثير من الراحلين الذين كانوا يقيمون الاحتفالات لعمليات الاقتراع والاستفتاءات الشعبية،
ويضعون الصناديق «المخرومة» ذات التنقيح الآلي، والتي كان لا يقبل أن تقل فيها النعم الممهورة مسبقاً عن النسبة السالفة الذكر، وكانت الولايات المتحدة ترفضها على اعتبار أنها تزوير لإرادة الشعوب، وفي سعيها الحثيث نحو توسيع التوجه نحو الديمقراطية أصرت على تغيير النسب، ومنحت الديكتاتوريات شهادات نجاح في قبول الآراء الأخرى عندما خفضوا الرقم وصاروا يقبلون بنسبة 90 في المئة فقط، وصفقوا لها كثيرا، وسكتوا عندما قام «المزور» بالبحث عن العشرة في المئة الذين لم يصوتوا له!
هذا رامسفيلد يعيد إلينا عهداً ولى، فهو يعلن أن القوات الأميركية في العراق ملتزمة بنسبة 999,99، وهو حكم براءة مسبق لأولئك الذين قتلوا الأبرياء في «حديثة»، فالرقم يعني أن المخطئ هو أقل من واحد، يعني ليس شخصا، أي انه ليس هناك من يتحمل المسؤولية، رغم اعترافه أن ظروف الحرب وحالة الجنود النفسية وما يتعرضون له من ضغوط قد تؤدي إلى بعض التجاوزات، وهذا منطق عجيب من المسؤول الأول عما يحدث من اعتداء على إنسانية الإنسان في العراق،
ويزول العجب إذا ما عدنا إلى الوراء قليلاً، إلى فضيحة التعذيب في سجن أبو غريب، حيث أجمعت الشهادات على أن أوامر استخدام الوسائل المحرمة دولياً في التحقيق والسجن قد وقعت من قبل وزير الدفاع نفسه، وهو يقول إن الرقم صفر هو الذي أخطأ، ولكن المرأة الحامل التي سقطت هي وأمها يوم الجمعة الماضي لا تقول ذلك، ومجزرة «الاسحاقي» التي كشفتها «بي بي سي» قبل يومين لا تقول ذلك ايضاً.
التجاوزات لم تحدث اليوم، لقد بدأت قبل «حديثة» وما زالت مستمرة، والرهينة الايطالية التي أطلق سراحها قبل أشهر كانت ضحية خطأ متعمد أودى بحياة رجل الاستخبارات الذي ساهم في تحريرها، ومن لم يخجل من حدوث كل ذلك لن يخجل في إطلاق الأوصاف التي يريدها عليها، ووزارة الدفاع الأميركية تسمي قتل 24 شخصاً من المدنيين «سوء تصرف»، فإذا كانت هذه الجريمة سوء تصرف فكيف يكون الخطأ أو التجاوز أو الإفراط في استخدام القوة في نظر «بنتاغون» رامسفيلد صاحب نسبة 999,99 في المئة؟.