تسارعت التطورات النوعية في العراق. مستجدات فارقة ومتزامنة شهدتها ساحته، الأمنية والسياسية. وقريباً هو على موعد مع تطور وطني مهم، إذا سارت الأمور في مجراها المرسوم. وكأن أوضاعه المعروفة دخلت، أو باتت مرشحة للدخول في منعطف جديد. هذا ما تنطق به الوقائع التي توالت، في الساعات الأخيرة.
فالإعلان عن مقتل أبومصعب الزرقاوي مع مجموعة من مساعديه، تطور من عيار خاص. كذلك موافقة البرلمان على الوزراء الثلاثة ـ الداخلية والدفاع والأمن الوطني ـ الذين كانت حقائبهم شاغرة في التشكيلة الحكومية الأخيرة، ليس أمراً عادياً في قياسات الحالة العراقية وتعقيداتها شبه المستعصية. وربما جاء التزامن بين الاثنين ليشحن احتمالات التحوّل بمقادير من التزخيم والترجيح. كما يندرج في هذا السياق مؤتمر المصالحة الوطنية المقرر انعقاده في بغداد بعد أيام، والذي تشدّد المصادر المعنية على أنه حاصل في موعده.
تضافر هذه الظروف وتلاحقها يؤشر إلى تحوّل قريب بتغيير المعادلات وحصول توافقات، لا بدّ وأن ينعكس على التوجهات والعلاقات، على الأرض. لكن إذا كان العراق مقبلاً على فصل جديد فما هو؟ هل يكون من القماشة نفسها، بقناع مختلف، أم يكون من قماشة واعدة؟
الاستبشار بالفرج، صعب في العراق، لأن حالته غير اعتيادية. وقد تتمرد على القوانين العامة. لكنها ليست بالضرورة كذلك، لاسيما وأن في الجوار علامات حلحلة، قد تلقى ترجمتها على أرضه، لناحية كبح الانفلاتات وتدعيم الاستقرار. أو على الأقل كبح التدهور. الآن الحكومة اكتملت. التوافق حولها تحقق. ومن المفترض أن يتحقق حول سياساتها. خاصة الأمنية. باعتبار أن هذا الشأن يحتل طليعة الهموم العراقية الراهنة.
على رأس السياسة الأمنية، يأتي حلّ الميليشيات وتجريدها من السلاح. هذا ما وعد وتعهد به رئيس الحكومة نوري المالكي. ولا يختلف اثنان على أولوية هذه المهمة. اللهمّ إذا كانت الجدّية متوفرة. وربما يصب غياب الزرقاوي في تعزيز هذا التوجه. على كل حال، زمام المبادرة صار، ولو نسبياً، بيد العراقيين، من الناحية الأمنية. لا شك أن استمرار الاحتلال يبقى عائقاً كبيراً.
ولغاية رحيله عن أرض العراق، لا بديل عن ترميم الجبهة الداخلية المتصدعة وردها عن حافة الهاوية. فالمعطيات أفضل من ذي قبل. حكومة الوحدة الوطنية على منصّة الانطلاق. وذهابها تحت هذه المظلة إلى مؤتمر المصالحة القريب، من شأنه أن يضفي طابع التقارب بين القوى، ويدفع بالتالي عملية التسوية، بقوة إلى الأمام.
لاوهم بأن الجروح الغائرة عميقاً في الجسم العراقي يلزمها توافر شروط كثيرة، كي تلتئم. ومنها الوقت. لكن لا بدّ من مباشرة على أرضية سليمة. ولا وهم أيضاً بأن العراق غير قادر على الخروج من محنته، في نهاية المطاف، قبل خلاصه من الاحتلال.
بيد أن الخلاص يبدأ من الداخل والتغلّب على أعطابه. والآن تتوافر معطيات ملائمة لمثل هذه البداية وتدشين مسيرتها. وقد عانى العراق أكثر من ثلاث سنوات عجاف، قبل أن تولد هذه الفرصة. على علاّتها، هي تنطوي على إمكانات واعدة وقابلة للتطوير والتفعيل. وحسبنا أن العراقيين أدركوا بالتجربة المريرة مدى الحاجة إلى التعلّق بأي بارقة أمل تنقذهم من هذا الجحيم. ومثل هذا الظرف هو اليوم بين أيديهم.