ما تشهده الساحة الفلسطينية حالياً من تطورات وأحداث خطيرة أمر يستدعي التوقف، ليس فقط من جانب الفصائل الفلسطينية المتناحرة، ولكن من قبل عواصمنا العربية.. فنذر الحرب الأهلية لم تعد فقط وشيكة، بل أصبحت حتمية، وصار الدم المحرم مباحاً. ورغم استبعاد إسماعيل هنية رئيس الحكومة الفلسطينية لوقوع هذا السيناريو فإن التقارير اليومية الواردة من المدن الفلسطينية تشير للأسف إلى احتمال دخول رفقاء الدرب الواحد إلى هذا الدرك الأسوأ.
ومن حق رجل الشارع الفلسطيني الذي عانى الأمرين، ولم يتسلم راتبه منذ ثلاثة أشهر، من حق هذا الرجل أن يتساءل! لمصلحة من هذا التناحر؟ ومن يدفع ثمنه؟ فالخلافات بين السلطة الفلسطينية والحكومة لا تنعكس سلباً على الداخل الفلسطيني فقط، بل تتخطى أثارها حدود المكان لتلقي بظلال سيئة على القضية الفلسطينية حيث تراجع الاهتمام الدولي، بهذه القضية وفقدت التعاطف المتعارف عليه إسلامياً ودولياً.
وبغض النظر عن المواقف الفلسطينية المتباينة من وثيقة الوفاق الوطني التي أعدها الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، فإن الحوار حولها ـ وحول كل ما هو مختلف عليه ـ يصبح أمراً حتمياً تفرضه معطيات كثيرة داخلية وإقليمية ودولية. وإذا كانت غالبية الفلسطينيين تؤيد دعوة الرئيس محمود عباس لإجراء استفتاء حول هذه الوثيقة، كما أظهر ذلك استطلاع للرأي أجراه معهد دراسات التنمية في جامعة بيرزيت، فإن إتمام هذه الخطوة يعد مطلباً شعبياً رغم اختلاف الآخرين معها..
ومهما كانت نتائج الاستفتاء، فإنه لن يكون بديلاً لإتمام الحوار الوطني بين جميع الفصائل الفلسطينية، وسواء عقد هذا الحوار في غزة أو رام الله، أو استضافته صنعاء أو القاهرة، فإن الأهم هو الخروج بقرارات تحفظ الدم الفلسطيني، وتوجه السلاح الفلسطيني إلى المكان الصحيح وهو قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تقف اليوم سعيدة بما يجري على الساحة الفلسطينية، ولسان حالها يقول، فلنترك هؤلاء يصفّي بعضهم بعضاً، ولتصورهم للعالم الخارجي كمجموعة من قُطّاع الطرق الذين لا يعرفون التفاهم والحوار فيما بينهم، وبالتالي لا جدوى من الحديث معهم أو مساعدتهم.
وإذا كان قادة الفصائل الفلسطينية مطالبين بتنحية سلاحهم جانباً وهم يتحاورون، والارتفاع إلى مستوى الخطب الجلل الذي ينتظر القضية الفلسطينية، فإن عواصمنا العربية مطالبة بمد يد العون لمساعدة رفقاء الدرب على تخطي هذه العقبة والتفرغ لما هو أهم وأجدى وهو قضية التحرير والاستقلال، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الجاثم على نفوس الفلسطينيين.
فالصعوبات التي تواجه الفلسطينيين مادياً واجتماعياً وحتى نفسياً، تستدعي من عواصمنا العربية التحرك الإيجابي، ليس فقط بإعلان استعدادها لاستضافة الحوار، ولكن بتقديم كل أشكال المساعدة لإنجاح وتفعيل أي تحرك فلسطيني إيجابي على الساحة، وتفعيل المبادرات الشعبية المساندة للشعب الفلسطيني حتى يجتاز هذه المحنة.
أما العواصم الدولية التي قررت معاقبة الفلسطينيين على خيارهم الديمقراطي، فإنها مطالبة بمراجعة موقفها وعدم الكيل بمكيالين، وإن كان تحقيق ذلك صعباً بالنظر إلى الضغوط الأميركية من جهة والانقسام والفتور العربي من جهة أخرى. خلاصة القول: لن يكون هناك تحرك دولي إيجابي، ومواقف عربية مسؤولة من دون تنظيم البيت الفلسطيني الداخلي والتحدث بلغة واحدة وتنحية الخلافات جانباً.
Haniihanii@hotmail.com