من يحكم العراق: الحكومة المنتخبة أم قيادة قوات الاحتلال العسكري الأميركي؟ السؤال موجه بصفة خاصة إلى طاقم الحكومة العراقية، وبوسع جورج بوش أن يتبجح من حين لآخر بأن الولايات المتحدة «حررت» العراق والعراقيين، لكن الواقع الحي يفيد بعكس ذلك تماماً، فكيف تكون أية حكومة جديرة باسمها إذا كانت عاجزة حتى عن مجرد التحقيق في جرائم كبرى ترتكب بحق مواطنيها وداخل أراضيها على أيدي جنود أجانب؟
المذبحة التي وقعت في مدينة «حديثة» وراح ضحيتها 24 مدنياً ما بين نساء ورجال وأطفال قتلوا بدم بارد بواسطة مجموعة من جنود المارينز لا تزال أصداؤها تتردد، لكن أقصى ما استطاعت أن تقوم به حكومة المالكي هو «استنكار» لفظي للحادثة، مع الحرص على عدم إدانة العسكريين الأميركيين. من دون استشارة الحكومة تولت قيادة الجيش الأميركي أمر التحقيق مع جنودها بنفسها. وأغلب الظن أن نتائج التحقيق ستسفر إما عن تبرئة الجنود أو تقديم عدد منهم إلى محاكمات إدارية تصدر أحكاماً شكلية.
على لسان نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي «تطالب» السلطة العراقية الآن بتشكيل لجنة تحقيق محايدة من الأمم المتحدة أو لجنة عراقية أميركية مشتركة، وفي مثل هذه الحالة لا يليق بحكومة وطنية أن «تطالب»، فالحكومات تأمر وتنفذ، خاصة عندما يتعلق الأمر بإهدار حياة مواطنين أبرياء.
لقد أصدر الهاشمي بياناً قوياً من حيث اللهجة وصف فيه ممارسات الجيش الاحتلالي الأميركي بأنها «انتهاكات»، وقال الهاشمي إن السلطة تشاطر مواطنيها صدمتهم «في تلك الجرائم الفظيعة». وقال: «كنا نأمل ونعتقد أن فضيحة سجن أبو غريب ستكون النهاية، لكن يبدو أن سجل قوات الاحتلال زاخر بانتهاكات حقوق الإنسان».
كلمات صارمة من دون شك، ولكن إذا كان ليس بوسع الحكومة أن تفعل في هذه الحالة سوى المطالبة بنقل مسؤوليتها إلى لجنة دولية أو لجنة مشتركة مع قوات الاحتلال نفسها، رغم سجلها الزاخر بالانتهاكات، فما قيمة وجودها على سدة السلطة.
والأغرب من ذلك أن نائب الرئيس العراقي يتوقع أن يتكرر «المشهد المحزن» في مدينة حديثة في مذابح مستقبلية مماثلة، فهو واثق من أن قوات الاحتلال ستواصل ارتكاب «جرائم بشعة يندى لها جبين الإنسانية»، ومع ذلك تبقى الحكومة عاجزة عن مواجهة قيادة الاحتلال.
من هنا يبرز السؤال الأكبر: من يحكم العراق؟
والإجابة بسيطة.. وهي أن العراق أصبح مستعمرة بكل ما تحمل العبارة من معاني فقدان السيادة الوطنية. ان السلطة العراقية تخدع نفسها وتخدع شعبها وتخدع العالم إذا لم تقر بأنها مجرد واجهة سلطوية شكلية لا تملك من أمر نفسها وأمر وطنها شيئاً. هذا هو «النموذج الديمقراطي العراقي» الذي تتبجح به إدارة بوش لاستكمال الصورة الخداعية.