كشف تقرير منظمة العفو الدولية الذي نُشر مؤخرا عن حالة حقوق الإنسان في العالم عن العديد من المعلومات والمعطيات والإحصاءات التي أثارت دهشة الكثيرين والتي أفرزت العديد من التساؤلات والنقاشات والإشكاليات. على غير العادة ظهرت أسماء دول جديدة تغنت كثيرا بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الصحافة والحريات الفردية إلى غير ذلك.

التقرير جاء هذه المرة سلبيا ليس بالنسبة للدول المتخلفة فقط والتي تعاني من تسلط السلطة وجبروتها وإنما شمل دولا تعطي دروسا في الديمقراطية وحقوق الإنسان عبر العالم. فإذا كان الأمر عاديا بالنسبة للدول الدكتاتورية والتسلطية والشمولية، فإنه ليس كذلك بالنسبة لدولة كالولايات المتحدة الأميركية التي أصبحت على قائمة الدول التي تنتهك الحريات الفردية وحقوق الإنسان.

أصبح واضحا للعيان أن حقوق الإنسان ما هي إلا شعارات فارغة لم تستطع أن تصمد أمام الانتهاكات اليومية في غوانتانامو وسجن أبو غريب واغتصاب وقتل الأبرياء والعزل في العراق وأفغانستان والسجون السرية في أوروبا.. فرنسا من جانبها انتهجت سياسة الإقصاء والتهميش وانتهاك حقوق الإنسان فيما يتعلق بحقوق أبناء المهاجرين المغاربة والأفارقة.

فمظاهرات ضواحي باريس واجهها «ساركوزي» بالعنف والرفض والاستهزاء والسخرية ونعت أصحابها من الشباب المغاربة بالسفلة والطائشين والفاشلين. وفي كل هذا نسيت فرنسا أن آباء وأجداد هؤلاء الشباب هم الذين حرروها من الغزو الألماني عندما كانوا يدافعون عن العلم في صفوف الجيش الفرنسي.

فرنسا عن طريق مشروع الهجرة الانتقائية تحاول إقصاء وتهميش وإبعاد المهاجرين من أراضيها، لكنها تنتقي أو بالأحرى تسرق الأدمغة والعقول التي تأتيها من كل صوب وحدب. بلد جان جاك روسو وبلد «الحرية ـ المساواة والأخوة» تحرم أبناءها من الجيل الثاني والثالث من المهاجرين من حق المواطنة وتكافؤ الفرص والمساواة والعدالة الاجتماعية.

بريطانيا بدورها تفننت في انتهاك حقوق الإنسان بذريعة مكافحة الإرهاب والقضاء على خلايا القاعدة في أراضيها. فالمثير للدهشة والإعجاب هو أن الدول التي كانت عبر عقود من الزمن تتفنن في إعطاء دروس في الحريات الفردية وحقوق الإنسان ومكافحة العنصرية والفصل بين السلطات واحترام القانون برهنت من خلال تعاملها مع قضايا ومشاكل معينة أنها تنتهك وتضرب عرض الحائط المبادئ الأساسية التي تقوم عليها حقوق الإنسان.

ونتيجة هذه الانتهاكات هي التلاعب بوسائل الإعلام من خلال التضليل والتشويه والدعاية وأحسن مثال على ذلك تغطية حرب العراق. كما تجلت انتهاكات حقوق الإنسان من خلال التلاعب بالقضاء حيث أن محاكمة الصحافي تيسير علوني تعتبر وصمة عار في تاريخ القضاء الإسباني. وقد تطول القائمة إلى مئات القضايا والتجاوزات التي لم تكن تخطر ببال أحد أنها تحدث يوما ما في دول نصبت نفسها عبر التاريخ بأنها «معلمة وحامية الديمقراطية وحقوق الإنسان» في العالم.

حقوق الإنسان، مع الأسف الشديد، وبعد مرور أكثر من خمسة عقود منذ الإعلان عن ميثاقها ضاعت سواء في الشمال أو في الجنوب،في الدول المسماة بالديمقراطية والمتقدمة أو تلك الدول التي ما زالت تعاني الفقر والجهل والتهميش.التطورات بعد 11 سبتمبر 2001 وإعلان الحرب على الإرهاب شكّلت منعطفا خطيرا أثرّ سلبا على حقوق الإنسان في العالم،

وحتى تلك الدول القليلة التي كان ينعم الفرد فيها بهامش كبير من حرية الفكر والرأي والتحزب وحرية التعبير والصحافة وما إلى ذلك ضربت عرض الحائط كل هذه القيم والمبادئ باسم الحرب على الإرهاب وراحت تتجسس حتى على المكالمات الهاتفية والبريد الإلكتروني وغير ذلك من خصوصيات الأفراد.

ما هو الوضع في أيامنا هذه، أيام الغطرسة الأميركية وحربها على الدول المارقة وأسلحة الدمار الشامل وكذلك الحرب على الإرهاب والتدخل في تحديد برامج التعليم والتربية لدول تنعم بسيادتها واستقلالها، وإذا رجعنا إلى فلسفة حقوق الإنسان ورجعنا إلى الثورة الفرنسية تحديدا نجد أن المحور الأساسي يتعلق بترسيخ الشعور في نفسية المواطن بالتحرر من الاستبداد والعبودية والتبعية وطغيان طبقة أو فئة معينة في المجتمع على باقي الطبقات والشرائح الاجتماعية في المجتمع، وهذه الأمور مع الأسف الشديد قائمة وموجودة داخل الدول نفسها وبين الدول وعلى مستوى العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية.

و السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل بإمكاننا أن نضمن حقوق الإنسان لمواطني دولة مستعمرة (بفتح الميم) وهل بإمكاننا ضمان حقوق الإنسان لدولة مستعمرة (بكسر الميم) وهل بإمكاننا ضمان حقوق الإنسان في دولة تابعة ومسيطر عليها خارجيا من قبل دولة أو دول أو نظام دولي؟ ما يجري في العراق هذه الأيام يتنافى جملة وتفصيلا مع حقوق الانسان سواء تعلق الأمر بالأسرى أو بالأطفال أو بسائر المواطنين العزل.

فالشعب العراقي اليوم ورغم تخلصه من رئيس مستبد سلبه كل حقوقه يعاني تحت الاحتلال الأميركي من مشاكل عديدة تبدأ بنقص المياه والكهرباء وتنتهي بانعدام الأمن والاستقرار. الشعب العراقي من حقه أن يقرر مصيره ويختار النظام السياسي الذي يليق به بعيدا عن وصاية «دونالد رامسفيلد» و«ديك شيني» وغيره من ممثلي تجار الأسلحة والحروب والبترول.

مبدأ حقوق الإنسان بالنسبة للدول الغربية ينتهي عندما تبدأ مصالحها. وللتاريخ، صدام حسين كان الصديق المدلل للأميركيين في الثمانينات. فعندما تلتقي المصالح وتتقاطع كل شيء مباح وأكبر الإرهابيين والدكتاتوريين في العالم، ومن أجل مصالح تجار الحروب والأسلحة، يصبح صديقا وديمقراطيا ومدافعا عن العدالة والحرية وحقوق الإنسان.

أين هي حقوق الإنسان عندما يتحكم البنتاغون في وسائل الإعلام ويوجهها حسب إرادته في حرب الخليج الثالثة وحرب الخليج الثانية حيث أصبحت قناة سي.ان.ان هي الوسيلة الإعلامية الوحيدة في العالم المسموح لها بتزويد البشرية جمعاء بما تراه أخبارا وأحداثا، أين هو حق الاتصال وحق المعرفة وحق الإعلام؟

ما هو مصير حقوق الإنسان في ظل انعدام الشرعية الدولية وفي ظل سيطرة تجار الحروب والأسلحة على العلاقات والمنظمات الدولية؟ كيف يكون مستقبل حقوق الإنسان في ظل شلل شبه تام لمنظمة الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى عديدة؟ كيف يكون المستقبل في ظل العولمة، عولمة لا تؤمن بخصوصية الشعوب ولا بالشعوب الضعيفة والمغلوبة على أمرها، عولمة همّها الوحيد هو سلطة المال والسياسة والقوة، عولمة الشركات المتعددة الجنسيات التي تسيطر على المال والأعمال والصناعات والتجارة الدولية والتي لا حدود لها ولا بلد ولا انتماء، قانونها الوحيد هو الربح.

هذه الشركات المتعددة الجنسيات التي تتقاتل هذه الأيام في العراق من أجل آبار النفط وغنائم الحرب، هذه الشركات التي تبتز أطفال العالم وفقراء العالم في ضوء النهار من جهة وتطالب من جهة أخرى بحقوق الإنسان. أليس من حق أطفال العراق العيش؟ وكيف لنا أن نتكلم عن حقوق الإنسان في العالم وهناك شعوب محرومة من حقها حتى في الحياة ؟

يبدو ببساطة أن العالم بحاجة لوقفة مع الذات ومع أخلاق الأنا وهو التحدي الكبير الذي سيواجهه مستقبلا. فالحرب على الإرهاب لا تبرّر بأي حال من الأحوال انتهاك حقوق الشعوب.و العالم اليوم وأكثر من أي وقت مضى مطالب بتحكيم العقل وإقامة حوار حضاري وتواصل صريح وشفاف وموضوعي لإعادة الشرعية الدولية لمسارها الصحيح تحت مظلة الأمم المتحدة.

ولتعلم أميركا أن مساعدتها للشعب العراقي للتخلص من صدام حسين لا تعني بأي حال من الأحوال حقها في تقرير مصير هذا الشعب كما ليس لها الحق في إدارة شؤون وأمور العراق حيث إن هذا التصرف يتنافى جملة وتفصيلا مع مبدأ الشعوب في حق تقرير مصيرها وحكم نفسها بنفسها كما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في سنة .

أستاذ الإعلام

جامعة الشارقة