يشعر المراقبون للشأن اليمني بالحيرة والقلق. فالتقلبات في الأجواء والمناخ، تتغير بين لحظة وأخرى ومن منطقة لأخرى في اليوم الواحد. وبالأخص في صنعاء حيث تمر المدينة بما يشبه الفصول الأربعة. ولا يتفوق على تقلبات المناخ الطقسي إلا المزاج السياسي العام ولعل التحالفات المتقلبة، والانقلابات الفجائية، وحلول التوتر والتجاذب محل التحاور والوئام والعكس سمة غالبة في المشهد السياسي.

وتعكس خطب وتصريحات كبار المسؤولين وزعماء المعارضة السياسية هذا المزاج الحاد والمتقلب. وما انتقال اليمن من عنوان وأنموذج للديمقراطيات الناشئة. ومن مشارك للدول الكبرى الثماني في تبني نهج الإصلاح. وكمثال للديمقراطية إلى دولة تسير بخطى متسارعة نحو الشمولية. كثيراً ما اشتكى الدبلوماسيون والمراقبون ومراسلو الوكالات من فساد واضطرابات تحليلاتهم لان ما يقال رسمياً اليوم تكذبه وترد عليه إعلانات أخرى رسمية أيضا.

هذا التقلب المباغت والدرامي مرتبط بالطبيعة البراجماتية للقبيلة اليمنية الحاكمة، والعقل المتذبذب والتجريبي في النخب اليمنية. الأمر لا يتعلق بتاريخ قديم فحسب. فاللوحة السريالية للمشهد السياسي خلال العقود الأربعة الأخيرة تشهد أن المزاج اليمني بركان لا يهمد.فمن التطويح بالإمامة وقيام النظام الجمهوري في الشمال وتحقيق الاستقلال في الجنوب إلى حربين بين الشمال والجنوب، وصراعات وانقلابات في كل شطر على حدة، إلى قيام الوحدة وتحالفاتها،

فحرب 94 وتحالفاتها المضادة في العامين الماضيين أو بالأحرى منذ ما بعد حرب 94 بدا النظام أكثر ميلاً نحو رفض التعددية والحوار. والتمسك أكثر بمنطق الغلبة والاستئثار.فخلال هذه الفترة جرى إقصاء «التجمع اليمني للإصلاح» عن المشاركة في الحكم.

وهو حليف أساسي سواء بالانتماء القبلي، أو الهوية والانتماء السياسي لأسلمة السياسة. ويلاحظ أن تصلب مواقف الحكم تدفع إلى مزيد من الضيق والتفكك في الأطراف الحاكمة في مختلف المستويات. وإذا كان التشدد والانفراد طبيعة مخالفة للمزاج والبيئة اليمنية المتنوعة والمتعددة فان الأخطر أن التشدد والتهميش للأطراف الأخرى غالبا ما يعكس هاجس الضعف والخوف في هرم الحكم.

جموح الحكم حاليا للتشدد ليس مظهر قوة أو تفوق، فالتفكك في قيادة حزب الحكم يترافق مع زيادة الغضب الشعبي العام. وتحول حاد في المزاج نحو التغيير والإصلاح. ونكوص المؤتمر الشعبي العام وزعامته عن تبني نهج الإصلاح. والطموح لتشكيل الأنموذج الديمقراطي للمنطقة كلها دليل ضعف وتآكل. صحيح أن المعارضة السياسية ( اللقاء المشترك ) هي الأخرى مترددة وغير مبدئية في تقديم البديل الأفضل.

فهي لا تزال في منطقة أعراف بين جنة حلم المشاركة، وسعير المعارضة الحقيقي تقدم رجلاً وتؤخر أخرى. وورقة الإصلاح التي قدمتها تعبر عن الإدراك الواعي والعميق لطبيعة الأوضاع والتحولات المنتظرة. فالنظام بوضعه الحالي أعجز من أن يقود سفينة التحولات المرتقبة في اليمن إلى شاطئ السلامة. والمعارضة تساوم على حصة معينة أكثر من الرهان على تبدلات ديمقراطية أو إصلاح حقيقي.

الواقع اليمني كالحالة العربية لم يعد يقبل الترقيع أو المعالجات الجزئية، ففي حين يطمح بعض الحكام العرب إلى تخليد وتأبيد أنظمتهم وتوريثها فان الشعوب العربية أكثر جنوحاً إلى الإصلاح الشامل والبديل الديمقراطي. وحقاً فإن اهتمام دول الجوار والأميركان والأوروبيين باليمن والسعي إلى تأهيله للالتحاق بمحيطه الخليجي يقوي دعوات الإصلاح الشامل في قلب النظام ومن خارجه. ويضيق الحصار مع رموز الفساد والاستبداد.