لقد كانت بداية الهزيمة معركة عسكرية كسبها الطرف الذى يملك آلة عسكرية متطورة ولهذا فإن هذا المشهد ظل يحجب غيره من اسباب الهزيمة ومشاهدها في المجالات الأخرى، ولذلك فإن أول محاولة لاقتباس ما لدى الغرب من معرفة كانت في مضمار الصناعات الثقيلة لاجل بناء آلة عسكرية على غرار ما فعل محمد على في مصر وظل بعد ذلك هذا الانبهار بالصناعات الثقيلة مع شبه اهمال لغيرها من القطاعات هو السمة الغالبة على معظم التجارب العربية حتى الآن.

رغم أن الخطاب الانبعاثي تبني العلم بأقل صعوبة من تبنيه لأي مفهوم آخر من مفاهيم الحداثة الأخرى إلا أن توطين العلم كفلسفة لم يكن افضل حالا من توطين المفاهيم الأخرى ولكنه على أية حال لم يواجه اية اعتراضات سياسية، فالزعامات التي كانت تطمح لتكوين دول ـ كيف ما كانت- كان يلزمها لتحقيق ذلك ان تقبل بفكرة التحديث والأخذ بالتقنية في مجال الادارة والأجهزة وأدوات السيطرة والضبط والنفوذ،

فالعلم في حدود هذا المفهوم وفي حدود هذه الحاجات، أي تدعيم السلطة وتقوية الدولة، لم تقم بينه وبين السياسة اية خصومة فقد تم انشاء المدارس وتوجيه البعثات الى أوروبا منذ العقد الثالث في القرن التاسع عشر، غير أن إشكالية توطين العلم لا تزال في القرن الواحد والعشرين هي اكبر الاشكاليات التى تواجه العالم العربى .

رغم اختلاف الاجتهادات وتعدد تفاصيلها حول الاسباب التي أدت إلى فشل توطين العلم في العالم العربى الا أنه لايمكن تجاهل البيئة الاجتماعية كأحد العوامل الأساسية لهذا الفشل، فلا يمكن للفكر العلمي أن ينمو ويحقق ابداعات تتحول الى ميزات ما لم يكن ذلك الفكر يعمل في بيئة اجتماعية تتوافر فيها الشروط اللازمة لاستمرارية التطور والابداع والتي اهمها:

أولها: العمران والتمدن

فلم يستطع الفكر العلمي في أوروبا أن ينمو وتتواصل ابداعاته الا عندما استقرت الجماعات البشرية في مدن كبيرة اصبحت مراكز للنشاط البشرى المنظم وهذا لم يكن هو حال معظم المدن العربية الى وقت قريب، فالمدينة العربية عبارة عن قرية كبيرة تجذب اليها سكان الارياف الذين يتركون مناطقهم الريفية الزراعية والرعوية بحثا عن فرص عمل في المدينة التى لم تكن مهيئة لاستقبال هذه الاعداد لانها لاتتوافر فيها عناصر الانتاج التى تسطيع ان توفر بدورها سوقا للعمل يستوعب هذه القوة البشرية ويوظفها في زيادة الانتاج وتحسين شروط الحياة من تشييد البنية التحتية وتوفير الخدمات

وتنظيم شؤون الحياة المدنية التي توفر بدورها قدرا من الفكر والوعي والابداع والذوق، ولكن المدينة العربية لاتخرج في اغلب الأحيان على نموذجين ، النموذج الأول يمثل المدينة التى تمتلك المقومات الاقتصادية التي تجعل منها مركزا للنشاط البشرى ولكن قدرتها تتوقف عن استيعاب سيل الهجرة اليها فتتحول الى مركز عمراني صغير غارق في احزمة من الفقر التى تطوقه على شكل أحياء وضواح عشوائية لاتتوافر فيها أدنى شروط العمران والتمدن .

اما النموذج الثانى فيمثل مدينة لاتمتلك مقومات اقتصادية حقيقية ولكنها قامت لاسباب سياسية، وظهور هذه المدن يعتبر ظاهرة معتادة في العالم العربي نظرا لارتباط هذه الظاهرة بطبيعة الانظمة السياسية، فكثيرا ما تم تحويل قرية صغيرة لاتحمل مقومات المدينة الى مدينة او عاصمة في اطار التنافس الجهوى او العشائرى بين القوي الحاكمة، وهذا النوع من المدن تكون استمراريته مرتبطة بوجود النظام السياسي فتصبح عالة على الدولة والمجتمع وذلك لعدم قدرتها على توفير شروط الحياة المدينية للاعداد المتزايدة من المهاجرين الذين تجذبهم اليها مبانيها العالية واضواؤها الخادعة .

وثانيها الكثافة السكانية، فلاشك أن الكم البشرى يعتبر عنصرا مهما في البيئة الاجتماعية اللازمة لتطور العلم فالابداعات والمخترعات لابد ان تتحول الى سلع برسم الاستهلاك، فإذا كان الكم البشرى للجماعة لايسمح باستهلاك قدر من السلع المنتجة يكفي لاستمرارية عجلةالانتاج واذا كان ليس بالامكان تصريف هذه الكمية في اسواق استهلاكية أخرى، فأن الابتكار والإبداع في المجال العلمى يفقد بدوره الكثير من دوافعه فيتوقف شيئا فشيئا حتى يتلاشى اوتنتقل رموزه الى مجتمعات اخرى قادرة على توفير ذلك الشرط.

اذا تفحصنا شروط الكثافة السكانية فلانجده ينطبق على الواقع العربي في اغلب حالاته، فالكم البشرى العربي تمت تجزئته وتقطيعه بأعداد صغيرة يمثل جماعة محجوزة جغرافيا وسياسيا قانونيا داخل دولة قطرية لاتمثل فيها الجماعة كماً بشريا يسمح باستهلاك الكمية الكافية لاستمرار الانتاج الوطنى في حالة قيام صناعات وطنية قائمة على الإبداع والابتكار وباستثناء المجتمع المصري الذى يتوفر فيه نسبيا شرط الكم الديموغرافي مع غياب شروط أخرى،

فإن الكثير من المجتمعات العربية هي مجرد جزر بشرية معزولة عن بعضها البعض ينطبق عليها دائما ما توقعه «لورانس العرب» منذ عشرينات القرن الماضى عندما تنبأ بمصير المنطقة العربية اذا ما استطاع الغرب كيف يستخدمها فوصفها بأنها ستكون بمثابة قطع من الأحجار الملونة المتجاورة التى لاتختلط ببعضها أبدا.