لم يهدر مدير مكتب البيت الأبيض الجديد جوشوا بولتن أي وقت في القيام بعدد من التغييرات في الكوادر. فلقد حل توني سنو مكان سكوت مكليلان كمتحدث رسمي باسم البيت الأبيض، وتم إعادة تعريف مهام كارل روف وعين المندوب التجاري الأميركي السابق روب بورتمان في منصب مدير مكتب الإدارة والميزانية، الذي كان يشغله بولتن. كما استقال جون سنو من منصب وزير الخزانة.
وفي الهوامش، قد تساعد هذه التغييرات البيت الأبيض على تلطيف الأجواء مع الجمهوريين في الكونغرس قبل انتخابات نوفمبر النصفية. لكنها في النهاية أقل أهمية مما قد يبدو من ظاهرها فيما يتعلق بالخط العام للسياسة. في هذا الوقت الذي لم يتبق سوى أقل من ألف يوم على نهاية رئاسة بوش، تأتي تحركات بولتن لتدبّ الحياة من جديد في الإدارة وتحاول استرضاء المشرعين الجمهوريين المتململين التواقين لتدارك التدهور المتواصل في شعبية الحزب الجمهوري.
لكن يمكن وصف هذه التغيرات بأنها «عملية إعادة تنظيم جذرية» على مستوى واحد فقط: فقد قام بوش وبولتن بإعادة تنظيم «كرة ثلجية». فلقد أوجدا مظهر الحراك والتغيير لكن حالما تستقر الأمور سيظهر المشهد وقد ظل كما هو عملياً. وهاهو توني سنو قد بدأ يستقر في مكانه وجون سنو استقال مؤخراً من منصبه.
وبوسع أولئك الذين كانوا يأملون بضخ أفكار جديدة ورؤى جديدة أن يصابوا بخيبة أمل. فالتخلص من مكليلان سيغير رسول البيت الأبيض ولن يغير الرسالة. ومدير مكتب الميزانية الجديد بورتمان هو عضو قديم في الإدارة، ومساعدته السابقة سوزان شواب حلت محله كمندوبة تجارية للولايات المتحدة.
ولم يتغير شيء على كارل روف سوى أنه نقل مكتبه من مكان إلى آخر داخل القاعة نفسها، محتفظاً بألقابه كمستشار رفيع للرئيس ونائب لرئيس طاقم البيت الأبيض وبحرية دخوله على الرئيس. والرجل الذي تبوأ مسؤوليات روف في إدارة شؤون السياسة بشكل يومي هو جويل كابلان مساعد بولتن السابق في مكتب الميزانية.
وإضافة إلى ذلك، فإن الأشخاص الذين لديهم أكبر نفوذ داخل الإدارة سيبقون في مكانهم. وربما يشعر نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد بضغوط متزايدة للتنحي بعد انتخابات نوفمبر النصفية. لكن حتى ذلك الحين سيستمر الرئيس في تجاهل الدعوات المطالبة باستقالتهما. ومع أن الديمقراطيين اعتبروا تقليص دور روف في البيت الأبيض تحجيماً لنفوذه،
فإن إعادة تعريف مهامه تدلل على تصميم الرئيس على إبقاء صديقه الحميم ومساعده الموثوق بجانبه أكثر من دلالتها على الاستياء من نفوذه في السياسة. ويأمل بوش وبولتن أن تؤدي هذه الحركة إلى تخفيف الضغط من الجمهوريين في الكونغرس والذين يخشون من أن روف تحول إلى نقطة ضعف غير مقبولة، واستطاعا في الوقت نفسه تفريغه للتركيز على العمل الذي يبرع فيه أكثر من أي عمل آخر وهو استدراج الناخبين المحافظين إلى صناديق الاقتراع.
ولقد أصبحت مهمة مساعدة الجمهوريين في الاحتفاظ بالسيطرة على كلا مجلسي الكونغرس «المهمة رقم واحد» للبيت الأبيض الذي يواجه هجمات متزايدة الضراوة من الديمقراطيين. وليس هناك ما يمكن للبيت الأبيض فعله لصياغة شكل الأحداث في العراق أو خفض السعر الذي يدفعه الأميركيون لغالون البنزين.
لكن مساعي كارل روف لتسليط الضوء على التزام الرئيس بوش بتعزيز أمن الحدود الأميركية مع المكسيك ستساعد في تحصين الإدارة ضد الاتهامات بالكسل والتراخي في معالجة قضية الهجرة غير الشرعية بينما تعطل سياسات السنة الانتخابية جهود الإصلاح الأكثر واقعية وأهمية.
وتعكس تغييرات الكوادر التي قام بها بولتن أيضاً الأهمية المتزايدة التي يعلقها البيت الأبيض على عامل الولاء. وخلال لقاء مع الكوادر في 17 إبريل الماضي أوضح بولتن (في أول يوم له في منصبه الجديد) أن أي موظف يفكر في ترك العمل مع الفريق عليه أن يفعل ذلك بأسرع ما يمكن. لكن هذه الرسالة موجهة فقط لمسؤولي الإدارة العاديين، لاسيما المسؤولين المستائين والبيروقراطيين المهنيين داخل الوزارات والوكالات الأساسية، خاصة البنتاغون ووزارة الخارجية وسلك الاستخبارات.
ولا شك أن شعبية بوش المتدهورة والنهج الذي تبنته الإدارة في الأيام الأخيرة لن يثنيا الكثير من المؤهلين عن الانضمام إلى الفريق. ونتيجة لهذا فإن عدداً من المناصب متوسطة المستوى ستبقى شاغرة أو تمنح لمسؤولين حاليين يشغلون مناصب أخرى في الإدارة. وهذا لا يبشر بالخير لعملية صياغة السياسة في كل القضايا الملحة تقريباً ـ وإن كانت أهم أولويات الإدارة ستظل تحظى بدرجة عالية من الاهتمام.
وفي الواقع فإن الموجة الأخيرة من التغييرات في الكوادر لا ترتبط باقتراب نهاية عهد الإدارة في يناير 2009 بقدر ارتباطها بانتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر 2006. ومع اقتراب موعد هذه الانتخابات فإن البيت الأبيض وكبار المشرعين الجمهوريين يأملون تحقيق مستوى أفضل من التواصل والتنسيق الاستراتيجي. وفي هذا الخصوص فإن التغييرات الأخيرة في البيت الأبيض ربما تظهر نتائج ـ لها انعكاسات على السياسة الاقتصادية والتجارية.
إن نقل بورتمان، عضو الكونغرس السابق عن ولاية أوهايو، من منصب المندوب التجاري إلى منصب مدير مكتب الخزانة يحرم البيت الأبيض من صوت قوي مؤيد للتجارة له خبرة كبيرة في شؤون الكونغرس. فقبل الانضمام للإدارة، خدم بورتمان كرئيس للقيادة الجمهورية في مجلس النواب وتولى تنسيق الاتصالات بين كبار المشرعين والبيت الأبيض.
واستقالة وزير الخزانة جون سنو من شأنها خسارة مسؤول مؤيد للاعتدال في السياسة التجارية تجاه الصين. وستكون النتيجة على الأرجح انحراف متواضع من الإدارة لصالح الاتجاه الحالي السائد في الكونغرس باتجاه مذهب حماية الإنتاج الوطني. وسيكون هذا التغيير سلبياً عموماً لمؤيدي الدولار القوي، ولأولئك الذين يأملون بتخفيف حدة قانون العقوبات التجارية الموجه ضد بكين والمساعي لإصلاح العملية التي يتم وفقها التمحيص في الاستثمارات الأجنبية في الأصول الأميركية والموافقة عليها.
ومن منظور سياسي، فإن هنري بولسون الذي خلف سنو شخص فعال في الترويج لاقتصاد أميركي قوي مكان جون سنو سيساعد الإدارة في كسب الفضل في ارتفاع سوق الأسهم واستقرار معدلات الفائدة والتضخم والبطالة التي مازالت بين 5 و5,5 % منذ أكثر من عام ونصف العام.
ومن المتوقع أن يقوم بولتن بمزيد من تغييرات الكوادر قريبا وسيتحدث الجمهوريون عن خطوات تهدف إلى دبّ النشاط من جديد في الإدارة فيما سيتحدث الديمقراطيون عن تهاوي كراسي الإدارة. لكن أياً من هذه الخطوات لن يحدث أي تغير حقيقي في اتجاه سياسات الإدارة ـ ما لم يقرر الناخبون في نوفمبر هم بأنفسهم القيام بعملية تغيير جذرية.
خدمة لوس أنجلوس تايمز خاص لـ «البيان»