نظرا لإحساسهم المرير بالظلم يتحدث العرب المعاصرون كثيرا عن «العدالة»، فيطلبونها في السياسات الدولية، وينشدونها في علاقتهم كشعوب محكومة مع السلطة في بلادهم. وهذا الدوران المستمر حول «العدالة» جعل القضاء والمحاماة والمنظمات المدنية الحقوقية منابر مهمة للإصلاح السياسي في العالم العربي، وملجأ للحصول على التعبير الرمزي للغضب من سياسات بوش وشارون، حيث نظرت محاكم عربية عدة في السنوات الأخيرة دعاوى رفعها مواطنون عرب ضدهما.

ورغم أن مفهوم العدالة يتعدى المسائل القانونية ليطوق مجالات فلسفية وسياسية واجتماعية واقتصادية واجتماعية وتربوية، فإن الجانب القانوني غلب على ما عداه في تفكير العرب المعاصرين. وباستثناء الراسخين في العلم والتجربة لم يتعامل كثيرون مع العدالة بوصفها القيمة الأكثر تأثيرا في تطور الحضارة البشرية، والأطول قامة وشموخ رأس، والأعمق جذورا في الطبيعة الإنسانية، والجوهر الأصلي لجميع العلوم المعيارية، وفي مقدمتها الدين والفلسفة والأخلاق، بل الشرط الأساسي لوجود الدولة ذاتها، بتنظيمها القانوني والاجتماعي والسياسي، فإذا وجد العدل وجدت الدولة، وإن غاب حضر مكانها كيان اجتماعي عشوائي.

وتمثل العدالة القيمة العليا في نص الدين الإسلامي، فحولها تدور كافة تعاليمه وأحكامه الشرعية، وهي لديه فريضة واجبة وضرورة اجتماعية وإنسانية وليس مجرد حق من الحقوق، وفرضها كمعيار للعلاقة السليمة بين الرعية وأولي الأمر. وقد لخص الفقيه ابن القيم الجوزية هذا في عبارة جامعة حين أكد أن الشريعة عدل كلها، وقسط كلها، ورحمة كلها، ولذا فإن أي شيء خرج من العدل إلى الظلم ومن القسط إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، فهو ليس من الشرع وإن أدخل فيه بالتأويل.

وتربط الشريعة الإسلامية بين العدل والاعتدال أو الوسطية، وتذهب إلى بناء رؤية شاملة للعدالة تتناول جوانبها السياسية والقانونية والاجتماعية، فهي عدل الولاة في الرعية، وعدل القضاة في المتحاكمين، وعدل الإنسان في أهل بيته، ولذا يستوي في وجوب العدل أن يكون تجاه الغير، أو حيال النفس، وأن يكون واجبا تجاه العدو كما هو واجب تجاه الولي،

وهو فريضة وضرورة في القانون وأمامه، وفي الشؤون الأدبية والمعنوية، وفي أمور المال والثروة والاقتصاد والمعاش. ويضمن العدل في الإسلام المساواة التي لا تؤدي إلى ظلم، والحرية التي لا تنحدر إلى تفلت أو خروج على منظومة القيم الدينية والاجتماعية المتفق عليها من قبل الجماعة.

أما في الفكر الأوروبي الحديث فيتمحور العدل فقط حول القانون والحق. ويربط جون ستيورات ميل العدالة بالمنفعة، ويرى أن العدالة كغيرها من الصفات الأخلاقية الأخرى يتم التعرف عليها بشكل أفضل حين نقارنها بضدها، ويؤكد أن من الظلم حرمان المرء من حريته الشخصية، أو ملكيته الخاصة، وكذلك حرمانه من أي شئ آخر لا ينتمي إليه بحكم القانون، شريطة أن يكون هذا القانون عادلا، أي لا يحقق مصلحة فئة بعينها، وإلا وجب عصيانه.

لكن المشكلة أنه ليس ثمة اتفاق واضح بين البشر حول ما هو عدل وما هو ظلم. وهذا الاختلاف والخلاف قاد إلى تقسيم العدالة، من الناحية النظرية، إلى نوعين، تبادلي يقوم على المساواة المطلقة، بشكلها الرياضي البحت، وتوزيعي يستند إلى مبدأ الاستحقاق والجدارة، أي أن يحصل كل فرد على ما يستحقه وفق إمكاناته واستعداداته وظروفه.

لكن هناك توافقا عاما على أن العدالة تعبير عن قيمة موحدة لا تتجزأ، وأنها لا تعني التوازن بين طرفين بينهما علاقة ما، إذ إن هذا الوضع أقرب إلى مفهوم المساواة منه إلى العدالة، إنما هي إعطاء كل ذي حق حقه بغض النظر عن مدى توازن المصالح.

من الناحية التطبيقية أخذت العدالة عدة أوجه في مقدمتها، العدل القانوني، الذي يدور حول نزاهة القضاء، والعدل الاجتماعي، الذي يتماس مع المساواة في مبدأ تكافؤ الفرص، ويمتد إلى منع التظالم البشري، الذي يحول دون وجود توازن اجتماعي، أو توفير احتياجات الإنسان الضرورية، من غذاء وإيواء ودواء ..الخ، وحق الإنسان في التأمين ضد مختلف الأخطار التي تهدد حياته، وضد العجز والشيخوخة والبطالة، أي حقه في العيش الكريم اللائق بإنسانيته.

وهناك العدل السياسي، الذي يحتاجه العرب كثيرا، ويمثل ترتيبا تاريخيا واجتماعيا، يعترف لكل ذي حق بحقه، ويتيح له أن يتمتع به، وأن يقوم بالواجب المصاحب له، أي أنه يقوم على نزاهة «العقد الاجتماعي» بين الحكام والمحكومين، والذي يفرض وضع المسؤولين في خدمة الشعب، وخضوع الجميع لسلطان القانون، شريطة أن يكون هذا القانون معبرا عن مصلحة المجتمع الحقيقية،

وليس مفصلا حسب مقاس طبقة أو فئة اجتماعية معينة، كما هي الحال في العديد من القوانين، التي تنظم الحياة السياسية في العالم العربي. والعدل السياسي قد يبرر أحيانا الخروج على القواعد والنظم من أجل تحقيق غايات وأهداف لصالح الجماعة برمتها، وليس لصالح فئة بعينها، أو صاحب سلطة بشخصه، وتعطي «الثورة» مثالا حيا على هذا اللون من العدالة، بوصفها حركة جماهيرية تنقض على أوضاع اجتماعية وسياسية ظالمة.

ولم تقتصر المناداة بأن يسود العدل الحياة الاجتماعية والسياسية في حالات السلم فقط، بل امتدت إلى ضرورة أن يكون هناك عدل في ساحات الحرب، الأمر الذي تجسد في مفهوم «الحرب العادلة»، التي تنبع من «القانون الدولي الإنساني» الهادف إلى حماية المتضررين من النزاعات المسلحة.

إن الطلب العربي على العدالة بشتى جوانبها المذكورة يتزايد يوما إثر يوم، وسيتعاظم في المستقبل، لكن من الضروري ألا يقتصر هذا الطلب على القانون، أو العدل بشقه الجنائي، لأن القانون في النهاية نص يدبجه الأقوياء غالبا، بل يجب أن يشدد على «العدل الاجتماعي» مع تزايد نزوع معظم الحكومات العربية إلى «الخصخصة» الجائرة الجزافية، ويركز على العدل بشقه السياسي، مع كثير من تراجع الأنظمة العربية الممنهج عن وعود الإصلاح، ويتمسك بالعدل في ساحات الحرب، في ظل معاناة العرب من الاحتلال في فلسطين والعراق.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة