من عجب أننا لم نسمع صوتا لأي من دعاة الليبرالية الجدد وحملة الجنسيات المزدوجة حول نتائج التحقيقات التي أعلنتها وزارة الدفاع الأميركية أخيراً بخصوص مقتل 24 عراقياً من المدنيين في التاسع عشر من نوفمبر الماضي في مدينة «حديثة» السنية التي تبعد ما يقارب 206 كلم غرب بغداد.

أكدت نتائج هذه التحقيقات أن جنود المارينز قد قتلوا هؤلاء العراقيين بدم بارد، حيث جاءت الإصابات مباشرة في الرأس والصدر، على عكس ما ذكره الجنود، في أعقاب الإعلان عن مقتل هؤلاء المدنيين، من أنهم قد قتلوا بسبب وجود عبوة ناسفة على جانب الطريق. ووفقا لنتائج التحقيقات،

فإن المارينز أصيبوا بحالة من الذعر والهلع في أعقاب مقتل زميل لهم، الأمر الذي دفعهم لاقتحام مجموعة من منازل العراقيين، القريبة من موقع الحادث، وقتل 24 منهم. تراوحت أعمار القتلى ما بين 73 سنة وثلاثة أشهر، ومن بين القتلى أم وابنتها وُجدا في وضع السجود، فيما يشبه القتل العمد أثناء أداء الصلاة.

وتلخص لنا شهادة الناجية الوحيدة من هذه المجزرة فظاعة ما قام به جنود المارينز، حملة مشاعل الحرية إلى العالم العربي!! تقول صفاء يونس سالم الطفلة العراقية البالغة من العمر اثني عشر عاماً إن والدها قتل من قبل الجنود الأميركيين عندما هم بفتح الباب لهم،

حيث قاموا بعد ذلك بقتل باقي أفراد عائلتها التي تشمل والدتها وخالتها وأخيها البالغ من العمر عشر سنوات، وأخواتها الأربع اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين الثماني سنوات وأربع عشرة سنة. لقد نجت صفاء لأنها ادعت الموت لمدة خمسة ساعات، واختبأت تحت جثة أخيها محمد حيث غطتها الدماء، قبل أن تستطع الهرب من هذه المقبرة الجماعية.

لقد قال المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية في الولايات المتحدة لاري كوكس إن تلك الاتهامات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب. والمسألة الخطيرة هنا، والمشينة في الوقت ذاته، أن هذه الجرائم تأتي من قبل جنود أكبر دولة في العالم، لا يني إعلامها ليل نهار يتحدث ويتشدق بالحريات والإصلاح والتغيير لشعوب المنطقة العربية.

والأخطر من ذلك، أن مجزرة «حديثة» تمثل مجرد واحدة من جرائم الجنود الأميركيين في العراق التي تم اكتشافها والإعلان عنها، الأمر الذي يشير من طرف خفي إلى العديد من الجرائم الأخرى التي تم التستر عليها وعدم الإعلان عنها. وفي الوقت الذي تتهم فيه أميركا العرب والمسلمين بالإرهاب، يمارس جنودها جرائم الحرب بشكل متواصل في كافة أرجاء العراق، بدون أن يحاسبهم أحد، وبدون أن يتناولهم أحد بسهام النقد والاتهام والتهديد والوعيد المسلط فقط على رقاب العرب والمسلمين.

وحتى لا يبادر الليبراليون الجدد بالإشادة بموقف وزارة الدفاع الأميركية، والمقارنة بينه وبين موقف العديد من الحكومات العربية التي تتستر على جرائمها المختلفة ولا تعلن عنها، فإننا نبادر بالقول أن هذا الموقف ليس وليد الرغبة في الحفاظ على أرواح العراقيين التي أصبحت رخيصة لدى الجميع، لكنه وليد الرغبة في الحفاظ على الجيش الأميركي ذاته،

وضمان روح الانضباط والانصياع بين جنوده. فما تخشاه وزارة الدفاع الأميركية ليس الجانب الذي يتعلق بفضيحة قتل المدنيين العراقيين، لكن ما تخشاه هو ما يتعلق بكفاءة الجيش الأميركي، وارتفاع درجة أدائه العسكري. فنتائج التحقيقات أثبتت بما لا يدع مجالا للشك كذب جنود المارينز على قادتهم فيما يتعلق بمذبحة «حديثة»، وهو الأمر الذي يعني عدم الانضباط العسكري، وتمرير معلومات خاطئة ومغلوطة من جانب الجنود إلى قادتهم العسكريين، وربما كان ذلك هو السبب الحقيقي وغير المعلن وراء فتح التحقيق في هذه المذبحة.

واللافت للنظر هنا التوصيات التي جاءت مصاحبة لإعلان نتائج التحقيق، والتي أكدت على ضرورة بث روح الأخلاق والقانون بين الجنود الأميركيين في العراق، حيث اكتشفت وزارة الدفاع الأميركية أن جنودها في حاجة إلى إعادة تأهيل أخلاقي وقانوني. ولا يعلم المرء هنا ما هو المقصود بهذا التأهيل الأخلاقي والقانوني لهؤلاء الجنود الذين يعانون الأمرين في العراق. فالحرب لكي تكون شريفة وأخلاقية وقانونية لا بد وأن تكون دفاعا عن شيء ما، عن وطن، أو عرض، أو أرض، أو شعب، أو ممتلكات.

وفي حالة هؤلاء الجنود الأميركيين تنتفي وتتلاشى كل هذه العوامل والأسباب؛ فهؤلاء الجنود يعملون لدي وزارة الدفاع الأميركية، ويحصلون على مرتبات وامتيازات مادية عالية، الأمر الذي يحق للوزارة بمقتضاه أن ترسلهم لأي مكان في العالم، ولأي هدف يراه السياسيون الأميركيون محققا للأهداف الأميركية التوسعية. من هنا يمكن القول بأنهم في حالتهم العراقية أقرب ما يكونون لوضع المرتزقة المأجورين، وفي ضوء ذلك يمكن تفهم جرائمهم ضد المدنيين العراقيين.

في الوقت الذي اندفعت فيه أقلام الليبراليين الجدد في الهجوم على شخص السيد حسن نصرالله، والتعريض بالتظاهرات التي قامت من أجله في بيروت، وفي الوقت الذي تهاجم في هذه الأقلام سوريا ليل نهار، وفي الوقت الذي تعادي فيه هذه الأقلام حكومة حماس وتتمنى لها السقوط والانهيار، فإنها لم تقترب من قريب أو من بعيد من نتائج تقرير وزارة الدفاع الأميركية.

وفي الوقت الذي تنهمر فيه أقلامهم الحادة على نقد عمليات القتل العشوائي في العراق، فإنهم لم يجرأوا على مجرد ذكر ما يقوم به جنود المارينز ضد العراقيين المدنيين العزل. إن هذه الأقلام المأجورة، التي تشبه جنود المارينز المرتزقة، تنشط فقط عندما يتعلق الأمر بنقدنا وسلخنا وجلدنا، أما حينما يتعلق الأمر بالعم سام وممارساته الدموية الإجرامية المختلفة، فإنها تصاب بالخرس والصمت المطبق، وكأن جرائم القتل التي تحدث في العراق لا تعنيها من قريب أو من بعيد.

كان الله في عون شعب العراق؛ فالمارينز المرتزقة نجحوا في إفشاء ثقافة القتل بدم بارد، فالقتل المجاني في العراق نتيجة طبيعية للفوضى الهائلة التي شهدها العراق على يد المارينز الأميركيين. لا يقف الأمر فقط عند المارينز الأميركيين الحقيقيين المدججين بالسلاح، والمدربين على قتل المدنيين بدم بارد، وبأريحية بالغة، لكنه يتعداه إلى مرتزقة الأقلام من الليبراليين الجدد الذين يهللون للوجود الأميركي في العراق ويسبحون بحمده ليل نهار، داعين الله أن يبقى إلى أبد الدهر في العراق، وفي باقي ربوع عالمنا العربي.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com