لا يمكن أن يقبل أي عاقل مهما كثر أو قل فهمه في علوم السياسة والاستراتيجية والعلاقات الدولية المجازر والإرهاب والقتل والتدمير اليومي للعراق وشعب العراق وتاريخ العراق والأهم من كل ما سبق كرامة الإنسان العراقي التي تحاول تدميرها وسحقها الآليات العسكرية الأميركية، ولم تنجح ولن تنجح. إن ما جرى في الحديثة وغيرها من المناطق والمدن العراقية المحتلة من قتل وإرهاب وسفك للدماء إن دل على شيء فهو يدل على الفشل العسكري والسياسي للأميركيين في العراق كما هو الأمر عادة عندما يتعلق بالسياسات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط.
والأسوأ من كل هذا أن يتلي مجزرة الحديثة تصريحات لمسؤولين سياسيين أميركيين في الإدارة الأميركية يتحدثون عن أن ما حصل من مجازر وقتل وانتهاكات للمعاهدات الدولية ذات الصلة بالاحتلال الأجنبي لا تصل بل ولا تقارن بما حصل من مجازر في العراق أثناء حكم صدام حسين والبعث العراقي وما يحصل من مجازر ترتكبها جماعات القاعدة في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين.
وهنا نتساءل ببساطة وموضوعية: هل يعني هذا أن الخطاب الأميركي عن الحريات والديمقراطية والعدالة والنظام والأمن والاستقرار هو خطاب كاذب ليس له أساس من الصحة، وأن الذي يجب أن تتوقعه الشعوب العربية من واشنطن لن يتعدى أن يكون أفضل بقليل مما هو موجود وممارس أصلاً من قبل بعض الأنظمة العربية...؟
وبالتالي فإن قدر الشعوب العربية أن تختار بين نظام أصيل ديكتاتوري يمارس القتل والإرهاب ضد شعبه لحماية وجوده واستمراره ومصالحه وبين محتل أجنبي يقدم الكثير من الوعود السرابية الجميلة ولكنه في ذات الوقت يمارس نفس القتل والإرهاب ضد الشعب المحتل لحماية احتلاله ومصالحه؟!
كلا الحالتين مرفوضتان لأن أي شعب وخاصة الذي يرزح تحت الاحتلال لن يرضى أن يعيش بالذل والهوان والخضوع لإرادة وأهواء ومصالح حفنة من الجنود الأجانب أتوا من البعيد لتحقيق أهداف ومصالح محددة ومعروفة لا تستثني من بنودها ونصوصها وصفحاتها إلا أهداف ومصالح الشعب العربي المحتل في العراق.
إن الغزو الأميركي للعراق والذي تم التخطيط له منذ تسلم الرئيس بوش سدة الرئاسة في واشنطن لم يحظ بشكل عام بدعم دولي، لاسيما من معظم الدول الغربية الحليفة للولايات المتحدة، لأنها لم تكن تشاطر الإدارة الأميركية نهجها السياسي والإيديولوجي والعسكري لحسم الملف العراقي المتعثر منذ عام 1991.
فمعظم دول العالم لم تر حينها أي خطر قادم من العراق ولم تقتنع أساساً بالإدعاءات الأميركية التي قدمت لمجلس الأمن بواسطة وزير الخارجية الأميركية السابق كولن باول، حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل وتهديده لأمن واستقرار منطقة الخليج والحليف الاستراتيجي التقليدي إسرائيل.
لقد رأى المجتمع الدولي أن اتهام العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل دونما وجود أدلة مادية لا يمنح الإدارة الأميركية الحق في استخدام القوة العسكرية واحتلال دولة مستقلة وذات سيادة. ولهذا فإن المشكلة أساساً تكمن في منهجية السياسة الخارجية للولايات المتحدة وخاصة في ظل هذه الإدارة اليمينية المتطرفة في رؤيتها للشؤون الدولية التي تعتمد على منطق استخدام القوة وليس منطق تطبيق القرارات الدولية والحوار الحضاري الجاد لحل النزاعات والصراعات الإقليمية.
والأهم من ذلك أن ما يحدث في العراق الآن لا يمكن فصله بأية حال من الأحوال عن المشهد العام والتطورات التي حدثت وتحدث في منطقة الشرق الأوسط لاسيما تلك المتعلقة بمسألة الصراع العربي ـ الإسرائيلي والهيمنة الأميركية على كامل المنطقة العربية،
فبعد انتهاء حرب الخليج الثانية عام 1991 وتحرير الكويت من الغزو العراقي والذي تزامن مع سقوط المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي، أصبح واضحاً أن الاستراتيجية الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط والتي بدأت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قد دخلت مرحلة جديدة تتلخص أهم عناصرها كالتالي:
أولاً: نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في إخراج مصر من منظومة الدفاع العربي المشترك ومن دائرة الصراع العربي ـ الإسرائيلي وخاصة فيما يتعلق بالبعد العسكري للصراع عن طريق توقيع معاهدة كامب ديفيد، وقد سبب هذا الأمر في خلق خلل استراتيجي في موازين القوى بين إسرائيل من جهة وباقي العالم العربي من جهة أخرى، ولا يزال هذا الخلل موجودا بل وتفاقم بعد سقوط المنظومة الشرقية وبروز القطب الواحد بقيادة وهيمنة أميركية؛
ثانياً: اندلاع الحرب الإيرانية - العراقية والتي دعمتها واشنطن عن طريق دعم الأطراف المتحاربة، الأمر الذي أنهك الطرفين على كل الأصعدة من جهة، وساهم في ارتكاب نظام صدام حسين خطأً استراتيجياً وتاريخياً عندما قرر احتلال الكويت الدولة العضو في الجامعة العربية والأمم المتحدة، ومهد الطريق للتواجد العسكري الأميركي الضخم في منطقة الخليج العربي.
ثالثاً: نجحت الولايات المتحدة بسبب هذه التطورات مجتمعة ومقابل عجز عربي رسمي وشعبي أن تسيطر على المسرح السياسي والاستراتيجي العربيين وعلى مفاتيح الحلول المختلفة للصراع العربي ـ الإسرائيلي بدون منازع دولي أو إقليمي؛
رابعاً: تحاول الولايات المتحدة في هذه المرحلة أن تصل إلى حل دبلوماسي مرض لجميع الأطراف بخصوص ملف إيران النووي والذي سيرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بملفات أخرى تتعلق بالعلاقات الإيرانية ـ الأميركية والعراق والمقاومة في فلسطين ولبنان والعلاقات الإيرانية ـ السورية ودور إيران الإقليمي وهذا هو الأمر الأهم في المرحلة القادمة، وهذا سيكون له تداعيات هامة ومفصلية على مجمل القضايا سلباً كان أم إيجاباً.
إن ما جرى في العراق من مجازر وقتل وإرهاب سواء الذي ارتكبته القوات العسكرية الأميركية أو الجماعات الإرهابية المنتمية لتنظيم القاعدة يعيدنا دائماً إلى تساؤل هام وهو هل تستطيع الإدارة الأميركية التي امتلكت قرار الحرب والاحتلال أن تمتلك القرار السياسي والأمني لمنع العراق من الانزلاق إلى مزيد من العنف والقتل وحالة اللا أمن وخطر اندلاع في حرب أهلية ومذهبية على نطاق واسع لا يعلم نتائجها على المنطقة بأسرها إلا رب العالمين.
ذلك لأن الذي دمر المؤسسات الوطنية في العراق وقاد البلاد والعباد إلى هذه الهاوية هو الاحتلال الأميركي، بعيداً عن الرؤى والتصريحات الوردية والواعدة التي تأتينا من واشنطن وتتحدث عن الإنجازات الضخمة التي تم تحقيقها منذ ما يسمى بدء «حرب التحرير».
إن المشهد السياسي والأمني والعسكري في العراق لا يبشر بكثير من الخير لاسيما وأن الإدارة الأميركية عاجزة تماماً عن تحقيق ما وعدت به من أمن وإعادة بناء وديمقراطية حقيقية واستقرار لكل دول المنطقة، وبناء عليه لم يبق أمام الاحتلال الأميركي إلا خيار واحد يتمثل بوضع خطة واضحة للانسحاب العسكري ضمن جدول زمني محدد من العراق والكف عن السياسات العبثية واستخدام منطق القوة في منطقة الشرق الأوسط الذي لا يجلب إلا البؤس والعنف ومزيد من الاضطهاد والإرهاب.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com